السياسة الخارجية الأمريكية بين الواقع وأحلام المغامرين

بواسطة عدد القراءات : 1842
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
السياسة الخارجية الأمريكية بين الواقع وأحلام المغامرين

المحلل السياسي / يحيى حرب نشرت صحيفة نيويورك تايمز الاميركية اليوم محضر اجتماع جرى بين وزير الخارجية جون كيري وثمانية من موظفي وزارته، لمناقشة مذكرة كانوا قد رفعوها اليه قبل ايام، يطالبون فيها الرئيس الاميركي، باستخدام القوة الاميركية الهائلة لتغيير الوضع في سورية وتدمير جيشها ومؤسساتها. المذكرة التي نشرت قبل ايام ونقلتها وسائل اعلام عربية، لم تحظ بما تستحق من تعليقات وردود فعل سياسية وديبلوماسية، رغم انها تشكل خطورة بالغة على مستقبل دول وشعوب على بعد عشرات آلاف الكيلومترات من العاصمة الاميركية. نيويورك تايمز اعادت المذكرة الى الضوء وقدمت لنا عرضا مشوقا عن هذا التطور الدراماتيكي، أظهرت فيه العقلانية الاميركية بأبهى صورها، واستعرضت مظهرا من مظاهر الديمقراطية والنقاش الحر في احد مطابخ اتخاذ القرار في الادارة الاميركية. وكانت المذكرة التي رفعها الموظفون في الخارجية الأميركية دعت البيت الأبيض إلى القيام بأعمال عسكرية ضد دمشق، للإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وجاء في المذكرة أن تغيير نظام الحكم في سوريا هو السبيل الوحيد لدحر تنظيم داعش، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”. وقبل الدخول في الصورة الناصعة التي عرضتها نيويورك تايمز، والردود التي قدمها الوزير الاميركي بكل أدب ودبلوماسية، وهي في كل حال ردود لا تنفي جوهر مذكرة الموظفين، وتدافع بخجل عن سياسة الادارة المعتمدة حتى الان.. قبل كل ذلك يتوجب العودة الى المذكرة نفسها ودلالاتها السياسية. صحافي التحقيقات الأمريكية روبرت باري، كتب على موقع «كونسورتيوم نيوز»، عن التدهور المريع في دوائر الخارجية الاميركية، التي تحولت الى خلايا لليمين المحافظ والعناصر الصهيونية، التي تتحكم في صناعة القرار الى درجة كبيرة. فعلى مدى العقود العديدة الماضية تحولت الخارجية الاميركية من مكان مهني حصيف للدبلوماسية والواقعية، إلى وكر لداعمي الحروب، ممن تنقصهم الخبرة العسكرية والسياسية، وهم في الغالب مهووسون بأوهام الإمبراطورية، ويساورهم القلق من الانحدار المريع في مكانتها وقدرتها، وتراخي قبضتها عن ادارة شؤون العالم منفردة. وهي ظاهرة خطرة كما يقول الكاتب الاميركي، عمّقتها كتلة «المعارضة» الأخيرة التي تريد قتل مزيد من الضحايا الأبرياء في سوريا، وخوض حرب مدمرة جديدة دون اي مبرر من تلك المبررات التي درجت على تبنيها الادارة الاميركية، على غرار تهديد الأمن القومي والمصالح الاميركية، او تهديد حياة الاميركيين!! بل العكس هو الصحيح اذ ان الجهة التي يريد مقررو السياسات في الخارجية الاميركية القتال معها، والى جانبها لتدمير النظام السوري، هي الجهة المصنفة ارهابية في دوائر المخابرات والديبلوماسية الاميركية، وهي التي مارست او يمكن ان تمارس الاعمال الوحشية داخل وخارج الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وفي اوروبا. والحقيقة أن دعوة وحدة كبيرة من المسؤولين كهذه لشن حرب عدوانية موسعة تتماشى مع جدول أعمال «المحافظين الجدد»، والدوائر الصهيونية، الذين وضعوا سوريا على قائمة الدول المستهدفة قبل نحو عقدين من الزمن. ولفت باري إلى أنه حتى بعض مسؤولي الوزارة، ممن ليسوا من «المحافظين الجدد» أو من «صقور» واشنطن، تراهم يتحدثون بصرامة ويتصرفون بغطرسة تجاه شعوب الدول الخاضعة لنفوذهم، بحيث يتم التعامل مع الأجانب كأدوات رعناء ليكونوا مكرهين ومجبرين على الطاعة. ان هذه الوثيقة تكشف الى حد بعيد الطريقة التي تفكر بها الادارة الاميركية، بحيث يقرر عدد من الموظفين، تتحكم بهم الاهواء والمصالح والخلفيات الايديولوجية، مصائر دول وشعوب وقضايا مصيرية. كما انها تكشف العقلية الاميركية الطاغية التي لا تحترم القانون الدولي، ولا تقيم وزنا للمؤسسات والاعراف الدولية. فسوريا دولة مستقلة وذات سيادة مساوية لأي دولة اخرى عضو في الامم المتحدة. والنظام القائم فيها لا يزال حتى الان يتمتع بالشرعية الدولية الكاملة، وهو عضو في المنظمات الدولية، وسفاراته تنتشر في اكثر من مئة دولة حول العالم، وهي ترفع صورة الرئيس الاسد وتتلقى التعليمات من حكومته. ولم تستطع الادارة الاميركية، رغم كل الجهود والاموال والاغراءات التي بذلتها ادواتها في المنطقة، من ممالك وامارات الخليج وتركيا واسرائيل، ومئة وثلاثين دولة في العالم، ان تحدث انشقاقا فعليا في المؤسسة السياسية السورية ولا في جهازها الديبلوماسي، عطفا عن الجيش العربي السوري والقوى الامنية، التي ظلت متماسكة وملتفة حول دولتها ونظامها. وعلى الصعيد السياسي فقد اثبتت الازمة السورية حقائق لا يمكن القفز عليها، اولها ان جزءا كبيرا من الحراك المسلح القائم في سوريا، هو افراز للحركات الجهادية الارهابية المشبعة بالفكر الوهابي التكفيري، الذي، باعتراف المؤسسات الاميركية الامنية والسياسية، يعتبر مسؤولا عن 99 في المئة من الاعمال الارهابية في العالم في العقود الاربعة الماضية، وان هذه الحركات تتحرك بناء لاجندات ومشاريع عقائدية تدميرية، لا توفر اي طرف في المجتمع الدولي الحالي، وتتناقض مع كل قيم الحضارة الانسانية المعاصرة، وليس هناك اي ثغرة للتفاهم معها والتعامل بالحوار والديبلوماسية، بصرف النظر عن فرضيات استغلالها من قبل حلفاء اميركا واسرائيل كأداة لتدمير الخصوم وفرض واقع سياسي جديد، تمهيدا لاستثماره من قبل الدوائر الصهيونية والامبريالية. الحقيقة الثانية ان النظام السوري، وبعيدا عن كل التوصيفات السياسية والمندرجة ضمن الحرب الاعلامية عليه، قدم العديد من المشاريع الاصلاحية ومبادرات الحل السياسي المتقدمة على طروحات المعارضة نفسها، ناهيك عن تجاوزها العديد من الاطر الحاكمة والانظمة الحليفة لواشنطن في المنطقة، من حيث الحريات السياسية والمشاركة في السلطة واوجه الديمقراطية المعروفة في العالم. كما ان هذا النظام اثبت مرونة كافية بحيث انه قبل بجميع مبادرات الحلول الدولية والمؤتمرات التي جرت الدعوة اليها. وبالتالي لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يوصف هذا النظام بأنه عقبة امام الحل السياسي للأزمة القائمة، او انه يعتمد “الحل العسكري في مواجهة المعارضة السلمية”. ان سوريا الدولة والمجتمع لا تزال قائمة ومتماسكة رغم موجة التطرف والمذهبية التي عصفت بالمنطقة، بدفع واضح من انظمة وكيانات حليفة لواشنطن، وهو ما تقر به الاجهزة الاميركية والمسؤولون بدءا من الرئيس اوباما نفسه الذي شخص الارهاب والتطرف في اكثر من مناسبة، اشهرها مقابلته مع مجلة اتلانتيك، قبل عدة اسابيع.. الدولة السورية ما زالت قائمة ولم تسقطها الموجات الارهابية المتوحشة، ولا الحملات الارهابية الموازية اعلاميا وديبلوماسيا وسياسيا، التي مارستها الالة الحربية الاميركية وتوابعها. وفوق كل ذلك فإن كل الدراسات تؤكد ان انهيار النظام السوري، في ظل عدم وجود بدائل حقيقية وشرعية للامساك بزمام السلطة في هذا البلد المحوري والاساسي في المنطقة، سيؤدي الى حالة غير مسبوقة من الفوضى والارهاب قد تعصف بدول كثيرة في المنطقة وتورث حالة من عدم الاستقرار لعشرات السنين.. فإذا كان النموذج الليبي هو ما يغري بعض الديبلوماسيين والموظفين المغامرين والانتهازيين في الخارجية الاميركية، فإن الوضع في سوريا اكثر تأثيرا وتعقيدا من حالة الفلتان في ليبيا، البعيدة عن مراكز التوتر الحساسة، اقتصاديا وسياسيا في المنطقة، وبالتالي فإن دفع سوريا الى احضان الدولة الفاشلة له انعكاسات سلبية مباشرة وطويلة الامد على الجميع بما في ذلك المصالح الاميركية في المنطقة، ناهيك من الاستقرار والامن في المنطقة والعالم. فما هي الاسس التي استند اليها السادة الموظفون في الخارجية الاميركية لبناء فرضيتهم، وتبني مفهوم تدمير سوريا لحل معضلة تغيير النظام فيها؟ وهل اخذوا هذه الحقائق في عين الاعتبار عند صياغة رسالتهم؟ وهل هم فعلا مطلعون على جوانب الازمة كافة وانعكاساتها الاقليمية والدولية، وفي داخل سوريا بالذات وما يخص شعبها؟ وكيف يمكن لموظفين على درجة محدودة من الثقافة والاطلاع، ايا كانوا، ان يقرروا مصير شعوب بعيدة عنهم عشرات آلاف الكيلومترات، ولا يعنيهم امرها الا بمقدار مصالحهم او بالاحرى تصورهم لهذه المصالح؟ وهل من الديمقراطية ايضا ان يتقرر مصير شعب ودولة، وسياسات دولة كبرى ومتسلطة على العالم، بناء على تصويت من موظفي وزارة الخارجية فيها؟ واخيرا اذا كان هذا هو الجو السائد في اوساط وزارة الخارجية الاميركية، فكيف لنا ان نتصور الوضع في دوائر البنتاغون، الذين يعتمدون على ترسانتهم العسكرية المتوحشة في تفكيرهم وتحديد خياراتهم؟ وفي دوائر المخابرات الاميركية التي تمتهن التآمر وتصدير الفتن والحروب الى الخارج، لاضعاف الخصوم وتدميرهم والسيطرة عليهم؟ هذه هي اميركا الحقيقية.. ولن تجدي محاولات نيويورك تايمز في اقناعنا بعقلانية وزير الخارجية جون كيري، ولا بالاجواء الديمقراطية واعتماد الحوار بين الرأي والرأي الاخر في الدوائر الاميركية.. فالمسألة ابعد من ذلك، وهي تستحق وقفة حقيقية من الحلفاء والاصدقاء لحماية الشعوب المستضعفة والصغيرة في العالم من هذه العقول المغامرة والطموحات الشيطانية.. كما تستحق وقفة من الشعب السوري وقواه العاقلة بضرورة التصدي لمثل هذه المشاريع التي تلهو بمستقبل الدولة والشعب، وتعرضه لابشع السيناريوهات، التي لا تخدم الا الصهيونية العالمية وامبراطورية الشركات العملاقة، المستفيد الوحيد من تدمير الدول واضعاف الشعوب ومنعها من التطور والتقدم.

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
أخر الإضافات
دولة القانون :البرلمان سيصوت على قرارات عقابية ضد إقليم كردستان منها تجميد اموال برزاني وطرد الوزراء والسفراء الكرد
أردوغان وروحاني: عدم إلغاء الاستفتاء سيحدث فوضى في المنطقة
الجبهة التركمانية تدعو ابناء كركوك لعدم المشاركة في الاستفتاء
مجلس الأمن الوطني يطالب الادعاء العام ملاحقة الموظفين بكردستان الذين ينفذون إجراءات الاستفتاء
الحكومة العراقية توجه كردستان بتسليم سلطة المنافذ الحدودية والمطارات الى السلطات الاتحادية
معصوم: لا بديل عن أستئناف الحوار واعادة الثقة بين بغداد والاقليم وقرار الاستفتاء احادي الجانب
مجلس الأمن الوطني يعقد اجتماعاً ويصدر عددا من القرارات المهمة
إيران توقف الرحلات الجوية الى الاقليم بطلب من بغداد
امريكا تخذر رعاياها في العراق من استفتاء كردستان
بارزاني يؤكد ان استفتاء الاقليم أول خطة نحو تقرير المصير ويدعو المواطنين في كردستان الى التوجه الى صناديق الاستفتاء
العبادي :واجب القادة هو رعاية شؤون المواطنين وحمايتهم من الاخطار التي تُحيط بهم وليس تعريضَهم للخطر
مشروع حصار اقتصادي ومالي خانق لتوليد ثورة جياع تطيح بالبارزاني
مشروع حصار اقتصادي ومالي خانق لتوليد ثورة جياع تطيح بالبارزاني
الانعكاس الايجابي لأزمة الانفصال الكردي على الواقع العراقي
النائب الزيدي : التحالف الوطني يدعم اجراءات الحكومة ضد استفتاء اقليم كوردستان كونة مخالف للدستور والمحكمة الاتحادية
الأكثر قراءة