الذكرى الثالثة لسابع من أكتوبر ((من السياسة الى الدين ))

طوال عقود كانت إسرائيل تسعى إلى إبقاء الصراع بينها وبين خصومها في إطار قومي وسياسي وإقليمي، بعيداً قدر الإمكان عن البعد الديني والأيديولوجي. فالصراع، مهما بلغت حدته، يبقى قابلاً للتفاوض عندما يرتبط بالحدود والمصالح والترتيبات الأمنية، بينما يصبح أكثر تعقيداً عندما يتحول إلى مواجهة ايديولوجية لاتنتهى الا باألغاء الأخر ، حيث لا يرى فيها كل طرف مجرد خلاف سياسي، وإنما صراعاً وجودياً .
لكن السابع من اكثوبر شكّل نقطة تحوّل عميقة في إسرائيل. فالهجوم لم يكن مجرد إخفاق أمني وعسكري بل صدمة واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي لم يتعافى منه لحد الآن وأعاد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة الصراع ومستقبله . وفي أعقاب هذه الصدمة، ازدادت قوة التيارات الدينية، وبرزت أفكار كانت تُعد في السابق هامشية أو بعيدة عن مركز النقاش السياسي، وأصبح الخطاب الديني أكثر حضوراً في تفسير الصراع وفي تحديد بعض اتجاهات السياسة الإسرائيلية.
وبدلاً من أن تقتصر آثار السابع من أكتوبر على مراجعة المنظومة الأمنية والعسكرية، أخذت الصدمة تمتد إلى تعريف إسرائيل لذاتها ولخصومها. فبعض التيارات السياسية والدينية بات ينظر إلى الصراع باعتباره مواجهة ذات جذور تاريخية ودينية، وليس مجرد نزاع يمكن حله من خلال ترتيبات سياسية. ومع تنامي هذا الاتجاه، أصبحت مفاهيم مستمدة من المرجعيات الدينية أكثر حضوراً في الخطاب العام، خصوصاً في ما يتعلق بالأرض والقدس والمقدسات.
وهنا تكمن إحدى النتائج الأهم لما بعد السابع من أكتوبر: خطر انتقال الصراع من كونه نزاعاً سياسياً يمكن البحث عن تسويات له، إلى صراع تتداخل فيه السياسة بالدين والهوية والمقدسات. وهذا التحول لا يغيّر طبيعة المواجهة داخل إسرائيل وحسب، وإنما يغيّر أيضاً الطريقة التي تنظر بها الدول العربية والإسلامية إلى إسرائيل.
إيران: قوة إسلامية في قلب المواجهة
في هذه البيئة تحضر إيران بقوة باعتبارها واحدة من أهم القوى الإسلامية والإقليمية التي أعادت تشكيل معادلة الصراع مع إسرائيل خلال العقود الماضية. فطهران لا تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً دبلوماسياً منفصلاً، وإنما جعلت مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة جزءاً أساسياً من سياستها الإقليمية، وطورت شبكة واسعة من العلاقات مع قوى مسلحة في المنطقة.
وقد وفرت إيران لهذه الجماعات، بدرجات مختلفة، دعماً مالياً وعسكرياً وتدريباً وخبرة، ما أتاح لها بناء نفوذ يتجاوز حدود الدولة الإيرانية ويجعل أي مواجهة مع إسرائيل مكلفة و قابلة للامتداد إلى أكثر من جبهة.
ومنذ السابع من أكتوبر، ظهر هذا البعد بصورة أكثر وضوحاً. فقد تحولت الحرب في غزة إلى صراع متعدد الجبهات، من لبنان إلى اليمن والعراق، بينما دخلت إيران وإسرائيل أيضاً في مواجهات مباشرة. وبذلك لم يعد التنافس بين طهران وتل أبيب مجرد مواجهة غير مباشرة عبر حلفاء إقليميين، وإنما أصبح يحمل احتمال انتقال المواجهة بين الدولتين نفسيهما إلى مستويات أكثر خطورة.
ومع ذلك، فإن تحميل إيران مسؤولية مباشرة عن قرار تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر يحتاج إلى الحذر. فالعلاقة بين طهران وحماس وثيقة، وإيران قدمت للحركة دعماً عسكرياً ومالياً وتدريباً على مدى سنوات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها كانت صاحبة القرار المباشر في تنفيذ الهجوم أو أنها خططت له بصورة مباشرة. فحماس، رغم علاقاتها بإيران، تمتلك أيضاً حساباتها وقراراتها الخاصة ربما تتداول في عواصم أسلامية أخرى .
وهذا ماجعلت إيران ليست الوحيدة في المشهد الإسلامي. فالحرب في غزة دفعت دولاً إسلامية وعربية أخرى إلى تنسيق مواقفها، وإن كانت دوافعها وأدواتها تختلف بصورة كبيرة عن إيران.
فتركيا والسعودية وباكستان ومصر والأردن تمثل، كل منها بطريقتها، قوى إسلامية ذات وزن سياسي واقتصادي أو عسكري مهم، وقد شهدت العلاقات بينها تقارباً وتنسيقاً متزايداً. ولا يعني ذلك أنها تشكل جبهة واحدة ضد إسرائيل أو أنها تتبنى موقفاً موحداً من حماس، لكن ظهور قنوات تنسيق أوسع بينها يعكس بيئة إقليمية مختلفة عن تلك التي سبقت السابع من أكتوبر.
وهكذا لا يتحرك العالم الإسلامي من خلال محور واحد؛ فهناك مسار إيراني يقوم على شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة، ومسار آخر تقوده دول تستخدم الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات السياسية، ومسار ثالث يعتمد على الوساطة المباشرة.
وهذه الاختلافات لا تلغي وجود قاسم مشترك آخذ في الاتساع: أن الحرب في غزة والقدس أصبحتا قضيتين تؤثران في الحسابات الداخلية والخارجية لمعظم القوى الإسلامية الرئيسية.
وتبقى القدس والمسجد الأقصى أكثر الملفات قدرة على جمع هذه المسارات المتباينة. فالدول الإسلامية قد تختلف بشدة حول إيران أو حماس أو شكل النظام الإقليمي، لكنها تتقاطع بدرجات مختلفة في حساسية القدس ومكانة المسجد الأقصى.
ولهذا فإن أي محاولة لتغيير الوضع القائم في الأماكن المقدسة يمكن أن تنتقل بسرعة من كونها قضية إسرائيلية وفلسطينية إلى قضية إسلامية أوسع. وكلما ازداد حضور الخطاب الديني في السياسة الإسرائيلية، ازدادت احتمالات أن تجد دول إسلامية نفسها تحت ضغط شعبي وسياسي للتعامل مع التطورات في القدس باعتبارها قضية تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية. فإسرائيل التي سعت خلال السنوات الماضية إلى بناء علاقات جديدة مع دول عربية وإسلامية على أساس المصالح المشتركة والأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، قد تجد أن إدخال العامل الديني بقوة في الصراع يجعل هذه العلاقات أكثر صعوبة في الحفاظ على توازنها.
لذلك، فإن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد نقطة تحول في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بل يمكن النظر إليه باعتباره لحظة كشفت عن إعادة تشكل أوسع للمنطقة.
ففي إسرائيل، تعزز حضور التيارات الدينية وبرز سؤال الهوية ومستقبل الدولة. وفي المقابل، استعادت القضية الفلسطينية والقدس موقعاً مركزياً في السياسة الإسلامية، بينما برزت إيران كقوة إقليمية تمتلك شبكة من الحلفاء، وواصلت تركيا والسعودية وباكستان تطوير أشكال مختلفة من التعاون، في حين احتفظت قطر ومصر بأدوار الوساطة والاتصال.
وبذلك أصبح المشهد أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين إسرائيل وحماس. فهناك صراع فلسطيني إسرائيلي، ومنافسة إقليمية بين إسرائيل وإيران، وشبكة من القوى المسلحة الممتدة عبر المنطقة، وفي الوقت نفسه محاولة من دول إسلامية أخرى للحفاظ على مصالحها ومنع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.
والسؤال الذي يواجه إسرائيل بعد صدمة السابع من أكتوبر لا يتعلق فقط بكيفية منع تكرار الهجوم، وإنما بطبيعة الدولة والصراع الذي تريد خوضه في المستقبل. فكلما ازداد البعد الديني في تعريف الصراع، أصبح من الصعب إبقاؤه محصوراً في حدود إسرائيل والفلسطينيين، لأن القدس والمقدسات قادرة على تحويله إلى قضية تمس العالم الإسلامي بأكمله.
حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية .

