30أيلول.. يوم السيادة أم يوم خروج الأصدقاء؟

إذا كانت القوات الأجنبية «صديقة» وموجودة بموافقة الحكومة العراقية، فلماذا يصبح خروجها دليلاً على استعادة السيادة؟
في 30 أيلول، يحتفل العراق بـ«يوم السيادة»، وهي تسمية تفتح نقاشاً يتجاوز المناسبة نفسها إلى معنى السيادة وحدودها في الدولة العراقية.
فالدستور العراقي ينص بوضوح على أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة. ومن الناحية القانونية، لم يكن العراق دولة بلا سيادة قبل 30 أيلول. لذلك فإن جوهر المسألة لا يتعلق بوجود السيادة من عدمها، وإنما بمدى اكتمال ممارستها فعلياً.
إذا كان خروج القوات الأجنبية يمثل انتقالاً إلى مرحلة أكثر اكتمالاً للسيادة، فهذا يعني أن وجودها كان جزءاً من الإشكالية المتعلقة بممارسة القرار السيادي. أما إذا كان وجودها لا ينتقص من السيادة لأنها دخلت بموافقة الحكومة العراقية، فإن الاحتفال بخروجها تحت عنوان «يوم السيادة» يحتاج إلى تفسير سياسي واضح.
فالسيادة لا تُقاس فقط بوجود جندي أجنبي أو خروجه، وإنما بقدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار في دخول القوات الأجنبية وبقائها وخروجها، وفي الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
طوال السنوات الماضية، كانت الحكومة العراقية تعتبر القوات الأجنبية الموجودة في البلاد قوات موجودة بناءً على دعوة رسمية، وتصف العلاقة معها بأنها تعاون وشراكة في مواجهة الإرهاب.
في المقابل، كانت الفصائل المسلحة تنظر إلى استمرار الوجود العسكري الأجنبي باعتباره انتقاصاً من السيادة، وترى أن إنهاء هذا الوجود شرط لاستعادة القرار الوطني الكامل.
ومع إعلان 30 أيلول «يوم السيادة»، يصبح من الصعب تجاهل هذا التناقض في الخطاب.
فإذا كان إنهاء الوجود العسكري الأجنبي يمثل اليوم محطة سيادية مهمة، فإن الفكرة الأساسية التي طرحتها الفصائل حول ارتباط الوجود الأجنبي بمسألة السيادة لم تكن بلا أساس وعلينا الاعتراف بجدية هذا المفهوم .
نعم هناك فرق واضح بين صحة القضية التي تُطرح وبين مشروعية الوسائل المستخدمة للدفاع عنها. فالاعتراض السياسي على الوجود الأجنبي يمكن مناقشته، أما استخدام القوة واستهداف القواعد والأفراد فيخضع لمعيار آخر يتعلق بالقانون وقرار الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش أكثر دقة: ربما لم يكن الخلاف بين الحكومة والفصائل على أهمية السيادة نفسها، بقدر ما كان خلافاً حول من يملك حق تحديدها، ومن يملك قرار الدفاع عنها.
إذا كانت الدولة العراقية هي التي سمحت للقوات الأجنبية بالدخول، وهي التي تفاوضت على بقائها وخروجها، فإن هذا في حد ذاته ممارسة لجزء من سيادتها.
لكن إذا كان خروجها يمثل استكمالاً لممارسة السيادة، فمن الضروري توضيح ما الذي كان ناقصاً قبل ذلك: هل كانت المشكلة في السيادة القانونية، أم في السيادة العملية، أم أن الأمر يتعلق ببساطة بانتهاء مرحلة عسكرية والانتقال إلى شكل جديد من العلاقات الأمنية والدبلوماسية؟
هذه التفرقة مهمة، لأن السيادة لا ينبغي أن تتحول إلى مصطلح يتغير مع تغير الظروف السياسية.
فالسيادة تعني أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وأن يكون السلاح خاضعاً لمؤسساتها، وأن تكون الحدود تحت سيطرتها، وأن تكون علاقاتها الخارجية نابعة من قرارها الوطني.
وبهذا المعنى، فإن خروج القوات الأجنبية قد يكون محطة مهمة، لكنه ليس التعريف الكامل للسيادة.
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن يخرج به العراقي من مناسبة 30 أيلول ليس فقط: من خرج من العراق؟
بل: من يملك قرار العراق؟
فالسيادة لا تعني فقط خروج القوات الأجنبية، كما أنها لا تعني السماح لها بالبقاء.
السيادة تعني أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في الحالتين.
ومن هنا فإن قيمة «يوم السيادة» لا ينبغي أن تقاس بالاحتفالات والخطابات، وإنما بما إذا كان العراق قادراً فعلاً على توحيد قراره الأمني والعسكري والسياسي، وعلى أن تكون مؤسساته الدستورية هي المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم والعلاقات الخارجية.
وفي هذه النقطة تحديداً تلتقي القضية مع جوهر ما كانت الفصائل تطرحه، من دون أن يعني ذلك الخوض في تفاصيل ممارساتها.
فإذا كان المطلوب عراقاً صاحب قرار مستقل، فإن السيادة يجب أن تكون مبدأً ثابتاً لا يتغير بحسب هوية الطرف الذي نتحدث عنه.
فالسيادة ليست يوماً في التقويم، وليست مجرد خروج قوات أجنبية. السيادة يجب ان يكون ذلك المفهوم الذي يتفق عليه الجميع وبوضوح .
حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية .

