رسائل أمين عصائب أهل الحق في،يوم السيادة إلى الداخل والخارج

سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث في الشأن السياسي
من روضة الشهداء في النجف الأشرف، وفي مناسبة تحمل دلالات سياسية ووطنية عميقة، أعاد سماحة الشيخ قيس الخزعلي طرح سؤال المرحلة الجديدة: ماذا بعد خروج القوات الأميركية؟ وكيف يتحول معنى السيادة من حدثٍ سياسي إلى مشروع متكامل لبناء الدولة؟
فخروج القوات الأجنبية لا يمثل نهاية مرحلة فحسب، بل يفتح الباب أمام مسؤولية جديدة تتعلق بترسيخ القرار الوطني، وتعزيز المؤسسات الدستورية والأمنية، وتنظيم الأدوار التي فرضتها ظروف الحرب ومواجهة الإرهاب، والانتقال بها إلى إطار الدولة والقانون.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى الإسراع بإكمال التصويت على قانون الحشد الشعبي، بوصفه جزءاً من عملية تنظيم المؤسسة التي قدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب، وترسيخ عملها وحقوق منتسبيها ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح.
فالمرحلة المقبلة، كما أكد الشيخ قيس الخزعلي، هي مرحلة بناء الحشد الشعبي بناءً صحيحاً عسكرياً وأمنياً، ليؤدي دوره المطلوب في حماية العراق، بالتوازي مع دعم مشروع بناء الدولة ومعالجة ملف السلاح وفق رؤية تحفظ الأمن والسيادة، وتمنع بقاء البلاد رهينة للظروف الاستثنائية التي فرضتها مراحل سابقة.
غير أن السيادة، في الرؤية التي طرحها الشيخ الخزعلي، لا تتوقف عند الجانب الأمني، بل تمتد لتكون مشروعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً متكاملاً. ولذلك تأتي الدعوة إلى القوى السياسية لاستثمار هذه المرحلة في الحوار والتفاهم، وصولاً إلى بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على وحدة العراق، ونبذ الخطاب الطائفي، والتوزيع العادل للثروات، وتعزيز شعور المواطن بالأمن والاطمئنان.
وفي البعد الإقليمي، تحمل رسائل الشيخ الخزعلي تأكيداً على أن علاقات العراق مع محيطه ينبغي أن تُبنى على قاعدة السيادة والمصالح المشتركة. ففي حديثه عن الجمهورية الإسلامية، استحضر مواقفها إلى جانب العراق وتضحيات شهدائها على أرضه، مؤكداً أن العراق «لن ينسى مواقفكم معنا ودماء شهدائكم التي أريقت على أرضنا»، ومشيراً إلى أن «موقفنا وموقفكم واحد وقضيتنا واحدة»، في قراءة تضع تلك العلاقة ضمن سياق المواقف الثابتة التي لاتقبل المساومة
وفي المقابل، ترتبط العلاقة مع الجمهورية التركية بضرورة احترام السيادة العراقية، وخروج القوات التركية من الأراضي العراقية، بما ينسجم مع مبدأ استقلال القرار الوطني. أما العلاقات مع دول الخليج ، فتُطرح بوصفها فرصة لبداية جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق الاستقطاب والصراعات الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة كلمة الشيخ الخزعلي في يوم السيادة باعتبارها طرحاً يتجاوز رمزية المناسبة إلى استشراف متطلبات المرحلة المقبلة؛ من تثبيت السيادة وترسيخ القرار الوطني، إلى بناء المؤسسات وتنظيم الأدوار الأمنية، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز حضور العراق الإقليمي والدولي.
إنها رؤية تضع المواطن في قلب مشروع الدولة، باعتبار أن السيادة لا تكتمل بالبعد السياسي والأمني وحده، وإنما تتجسد أيضاً في قدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها، وتحقيق التنمية، وتوفير فرص العيش الكريم، وترسيخ الاستقرار والازدهار. فبعد مرحلة التضحيات والمواجهة، تبدأ مسؤولية البناء، ويصبح التحدي الحقيقي هو تحويل الانتصار والسيادة إلى دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد مستقر، ومستقبل يليق بتضحيات العراقيين.

