الدكتور هشام العلوي، سفير جمهورية العراق في جمهورية النمسا والممثل الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا في حوار صريح عن الدبلوماسية الفاعلة وعودة العراق الى أفق مفتوح من الشراكات والتعاون الدولي.

حاوره. وسام نجم
الدكتور هشام العلوي في الدبلوماسية العراقية اثبت انه سياسي من طراز رفيع وجدير بتمثيل بلاده كسفير محنك يمتلك الخبرة في العلاقات الدولية وهو يشغل مناصب رفيعة صبت في مصلحة الدولة العراقية ووجودها التاريخي وعلاقاتها مع العالم. سألناه في منطلق الحوار عن تاريخ العلاقة بين بغداد وفيينا وأجاب.
العلاقات العراقية–النمساوية
تمتد إلى عام 1934، وهي علاقات لها جذور تاريخية مهمة. واليوم نرى فيها إمكانات واسعة للتطور، وإن كانت لم تبلغ بعد المستوى الذي نطمح إليه.هناك إرادة مشتركة لتعزيز الحوار السياسي، وتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي، والاستفادة من الخبرات التي يمتلكها البلدان. ومن المؤشرات الإيجابية إعادة افتتاح السفارة النمساوية في بغداد عام 2023. ونحن نعمل على تحويل هذا الزخم إلى تعاون عملي ومشاريع وشراكات مستدامة، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين.
• أبرز الملفات الثنائية وآفاق التعاون
تتابع السفارة ملفات متعددة، في مقدمتها توسيع الحوار السياسي، وتشجيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز العلاقات الأكاديمية والثقافية. كما نعمل على تعريف المؤسسات والشركات النمساوية بالفرص المتاحة في العراق، ومساعدة الطرفين على الانتقال من تبادل الاهتمام إلى التواصل المباشر والشراكات العملية.
ونتطلع إلى مرحلة أكثر نشاطاً في العلاقات الثنائية، تشارك فيها المؤسسات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص. ومن المحطات المهمة في هذا السياق منتدى الأعمال والاقتصاد العراقي–النمساوي–الأوروبي في فيينا يومي 10 و11 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بالتزامن مع المنتدى الاقتصادي العربي–النمساوي السادس عشر، لفتح المجال أمام لقاءات مباشرة بين الشركات والمؤسسات العراقية والنمساوية والدول الإقليمية المحيطة بها.
• فرص العمل والاستثمار أمام الشركات النمساوية
العراق يمر بمرحلة تتطلب تطوير البنى التحتية، وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على واردات النفط، وزيادة الإنتاج المحلي. وهذا يفتح مجالات أمام الشركات النمساوية في النقل والسكك الحديدية، والطاقة والصناعة، والإعمار والإسكان، والتكنولوجيا، والقطاع الصحي والدوائي، إضافة إلى التعليم والبحث العلمي.
ناقشنا، على سبيل المثال، إمكانات التعاون في أنظمة السكك الحديدية والإشارات ومفاتيح التحويل، بالنظر إلى المشاريع العراقية وتطلعاتنا المرتبطة بطريق التنمية. كما بحثنا فرص التعاون في مجالات الصحة والصناعة الدوائية، بالإضافة الى التصميم الحضري والمعماري. المهم أن تُبنى هذه الفرص على شراكات واضحة تجمع الخبرة والتكنولوجيا والتدريب والتمويل، وأن تأخذ في الحسبان احتياجات السوق العراقية وأولوياتها.
• نظرة النمسا إلى العراق وصورته في أوروبا
أرى أن هناك اهتماماً أوروبياً متزايداً بالعراق، وبما يمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وموارد بشرية واقتصادية وفرص واعدة للتعاون وبناء شراكات مثمرة. وفي الوقت نفسه، ما زالت بعض الصور المتداولة عن العراق مرتبطة بالأزمات والتحديات التي مر بها. لذلك، من المهم أن نقدّم صورة متوازنة تعكس التحديات، لكنها تبرز أيضاً ما تحقق من تطورات ايجابية وما يمكن إنجازه في الفترة المقبلة.
العراق اليوم يسعى إلى ترسيخ الاستقرار، وتنويع اقتصاده وتطوير قطاعاته غير النفطية، وتوسيع علاقاته الدولية. وكلما عرضنا هذه الأولويات من خلال حوار منتظم ومشاريع واقعية ونتائج ملموسة، أصبحت صورة العراق لدى الأوساط الأوروبية أكثر وضوحاً، واتسعت فرص التعاون معه.
• دور العراق في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدبلوماسية العراقية
العراق يؤمن بأن الحوار والتواصل بين دول المنطقة هما الطريق الأجدى لخفض التوترات ومعالجة الخلافات. وموقعه وعلاقاته المتنوعة يمنحانه فرصة للمساهمة في بناء التفاهم، وتعزيز الإستقرار الاقليمي، ودعم الحلول السياسية التي تحترم سيادة الدول ومصالح شعوبها.
أما علاقاتنا الأوروبية، فهي تتيح لنا توسيع الحوار بشأن قضايا المنطقة، وشرح وجهة نظر العراق، وبناء دعم دولي للمبادرات التي تعزز الأمن والتنمية. ونحن نرى أن الدبلوماسية الفاعلة لا تقتصر على إدارة الأزمات؛ بل تشمل أيضاً الوقاية منها وتهيئة فرص التعاون.
• التعريف بالحضارة والثقافة العراقية
العراق ليس حاضراً في التاريخ الإنساني بوصفه مهد حضارات عريقة فحسب؛ بل هو مجتمع حيّ يمتلك ثقافة وفنوناً وإبداعاً متجدداً. وتعمل السفارة على تقديم هذا التنوع للجمهور النمساوي من خلال النشاطات الثقافية، والتواصل مع المؤسسات والشخصيات الثقافية، وبناء جسور مباشرة بين المبدعين في البلدين.
ومن المبادرات التي نعمل على إبرازها مشروع إعادة بناء القيثارة السومرية، الذي بدأ عام 2004 بالتعاون مع خبراء نمساويين. مثل هذه المبادرات تجمع التراث العراقي بالخبرة النمساوية، وتُظهر كيف يمكن للثقافة أن تكون مساحة للتواصل والتعاون بين الشعبين.
• واقع الجالية العراقية والخدمات القنصلية
الجالية العراقية الكبيرة في النمسا جزء مهم من علاقاتنا مع المجتمع النمساوي، وهي تضم أشخاصاً يمتلكون خبرات وإمكانات في مجالات متعددة.والسفارة تنظر إلى رعاية المواطنين العراقيين وخدمتهم بوصفها من مسؤولياتها الأساسية.
نحرص على تحسين الخدمات القنصلية ومتابعة شؤون المواطنين ضمن الصلاحيات والإجراءات المعتمدة، وعلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة معهم. كما نسعى إلى تعزيز التواصل مع أبناء الجالية والاستماع إلى احتياجاتهم، وتوفير المعلومات والإرشاد بما يساعدهم على إنجاز معاملاتهم والتواصل مع الجهات المختصة.
• تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالعراق
الحفاظ على ارتباط الأجيال الجديدة بالعراق يبدأ بالتواصل المستمر، والتعريف بتاريخ البلد وثقافته وتنوعه، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للتعرف إلى وطنهم والمشاركة في أنشطة ترتبط بهويتهم. كما أن دور الأسرة والجالية والمؤسسات الثقافية والتعليمية مهم في هذا المجال.
ونحن نشجع المبادرات التي تفتح المجال أمام أبناء الجالية للتواصل مع العراق، والتعرف إلى فرص الدراسة والعمل والمشاركة المجتمعية فيه. والهوية الوطنية تتعزز حين يشعر الشباب بأن العراق حاضر في مستقبلهم، لا في ذاكرتهم وحدها.
• التعاون الثنائي في التعليم العالي والبحث العلمي
هناك فرص كبيرة لتطوير التعاون الثنائي بين الجامعات العراقية والنمساوية، سواء في تبادل الخبرات الأكاديمية، أو التدريب، أو البحث العلمي، أو بناء شراكات بين الجامعات. وقد وقّعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية مذكرة تفاهم مع جامعة مونتان في ليوبن في 13 نيسان/أبريل 2026، ونعمل على توسيع آفاق التعاون وإشراك جامعات عراقية ونمساوية أخرى.
كما بحثنا فرص دعم المنح والمسارات الأكاديمية، وتعزيز التواصل بين الجامعات، وتنظيم لقاءات تجمع المسؤولين والمؤسسات المعنية في البلدين. ونأمل أن تسهم هذه الخطوات في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وبناء علاقات أكاديمية طويلة الأمد.
• التحديات التي تواجه الدبلوماسية العراقية في أوروبا
من التحديات تقديم صورة دقيقة وشاملة عن العراق في بيئة دولية سريعة التغير، ومواكبة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، مع بناء علاقات مستمرة مع الحكومات والمؤسسات والبرلمانات والجامعات والقطاع الخاص. كما أن تحويل الاهتمام السياسي أو الاقتصادي إلى نتائج ملموسة يتطلب متابعة وجهداً مشتركاً من جميع الأطراف.
ولتعزيز حضور العراق، نحتاج إلى خطاب واضح ومتسق، ودبلوماسية نشطة، وأولويات قابلة للتنفيذ، إلى جانب تقديم فرص التعاون بصورة عملية. وهذا يشمل بناء الثقة، وتسهيل التواصل بين المؤسسات، ومتابعة الاتفاقات والمبادرات حتى تتحول إلى نتائج يشعر بها المواطن والقطاع الخاص.
• تقديم صورة أوضح عن العراق للمجتمع الأوروبي
يحتاج العراق إلى أن يتحدث عن نفسه من خلال الحقائق والإنجازات، وأن يقدم رؤية واضحة لمستقبله وأولوياته. كما يحتاج إلى إبراز تنوعه الحضاري والثقافي، وطاقات شعبه، وإمكاناته الاقتصادية، والفرص التي يتيحها للتعاون.
والأهم أن تساند الرسالة الدبلوماسية خطوات عملية: شراكات ناجحة، ومشاريع قابلة للتنفيذ، وتبادل ثقافي وأكاديمي مستمر. بهذه الطريقة تتكوّن صورة أكثر توازناً عن العراق، قائمة على معرفة مباشرة وعلاقات متينة، لا على الانطباعات المرتبطة بالأزمات وحدها.

