الهبوط المفاجئ بأسعار النفط: هل هو مؤامرة سعودية أمريكية

ثارت الانخفاضات الأخيرة في أسعار النفط موجة من الاتهامات التي بدأت الدول تكيلها لبعضها البعض؛ فالدول صاحبة العلاقة تشير على لسان مسؤوليها بأن الموضوع عبارة عن سوق للعرض والطلب والهبوط أمر طبيعي، أما الآراء والتحليلات المقابلة تشير إلى أن التطور الحاصل في أسعار النفط ليس له علاقة باقتصاد السوق، بل هو عبارة عن تحرك جيوسياسي له أهداف إقليمية وعالمية للضغط على الدول سياسيًا.

يقول علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية السعودية “إن السياسة النفطية السعودية تتعرض في الآونة الأخيرة لقدر كبير من التخمينات الجامحة والغير دقيقة؛ السعودية لا تسعى لتسييس النفط، وبالنسبة لنا فإن المسألة هي مسألة عرض وطلب وعمل مجرد وتجارة محضة”، كما يقول سهيل بن محمد المزروعي وزير الطاقة الإماراتي “ليس هناك مؤامرة، وليس هناك استهداف لأي شخص، النفط هو سوق وقد تصعد أسعاره أو تهبط”.

من جهته فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين له رأي مختلف، فهو يقول “نحن جميعًا نرى انخفاض أسعار النفط، هناك عدة أسباب قد تكون خلف ذلك؛ فهل يمكن أن يكون هناك اتفاق ما بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لمعاقبة إيران والتأثير على اقتصاد روسيا وفنزويلا؟ من المحتمل ذلك”.

وتعقيبًا على ما أثاره الرئيس الروسي فإن الرئيس الفنزولي نيكولا مادورو يتفق مع بوتين لجهة وجود اتفاق ضمني أمريكي – سعودي، حيث يشير في مقابلة له مع وكالة رويترز، أنه يعتقد بأن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ترغبان في خفض أسعار النفط لإلحاق الضرر بروسيا، كما أن الرئيس البوليفي إيفو موراليس يتفق مع مادورو وبوتين أيضًا، ويتضح ذلك من خلال تصريحه لقناة روسيا اليوم: “إن الانخفاض في أسعار النفط كان بسبب الولايات المتحدة التي تشن هجومًا على اقتصاد فنزويلا وروسيا، وفي مواجهة مثل هذه الهجمات الاقتصادية والسياسية، يجب على الأمم أن تتحد”، والرئيس الإيراني حسن روحاني بدوره يتخذ ذات الموقف ولكن في اتجاه سياسي مختلف، حيث يشير في حديث له “إن السبب الرئيسي للهبوط في أسعار النفط هو مؤامرة سياسية من قِبل بعض الدول ضد مصالح المنطقة والعالم الإسلامي، إن إيران وشعوب المنطقة لن تنسى هذه المؤامرة والخيانة ضد مصالح العالم الإسلامي”.

إن المواقف السابقة التي تتهم الولايات المتحدة والسعودية بالتآمر للضغط على الدول المصدرة للنفط، لم تلق قبولاً لدى وزير البترول السعودي علي النعيمي، حيث نفى الأخير مرارًا وتكرارًا المزاعم التي تشير إلى أن المملكة السعودية مشتركة في مؤامرة لتخفيض أسعار النفط، وبالنسبة للنعيمي فإن انخفاض أسعار النفط ناجم عن “نقص التعاون من قِبل الدول المنتجة للنفط والغير منضمة لأوبك، جنبًا إلى جنب مع انتشار المعلومات الخاطئة وجشع المضاربين”، وبعبارة أخرى، فإن الوزير السعودي يود أن يقول إن العالم مسؤول عن انخفاض النفط، باستثناء البلد الذي أبقى تاريخيًا أسعار النفط مرتفعة من خلال التحكم بالإنتاج، وهذا الموقف يبدو غريبًا خاصة في ظل تخلي أوبك – ومن خلفها السعودية الرئيس الفعلي لها – عن الإستراتيجية التقليدية لهذا الكارتل، حين أعلن أنه لن يخفّض الإنتاج حتى لو انخفضت الأسعار إلى 20 دولارًا للبرميل.

ولكن السؤال هو لماذا؟ لماذا عملت السعودية فجأة على التخلي عن إستراتيجيتها التقليدية المتمثلة بتخفيض الإنتاج مع انخفاض الأسعار؟ هل تسعى السعودية لتحطيم أسعار النفط؟ إن هذه الإستراتيجية أدت إلى هبوط أسواق الأسهم في الشرق الأوسط إلى أدنى مستوياتها، كما أدت إلى زيادة العجز في ميزانية المملكة السعودية ليصل إلى مستويات قياسية بلغت 5% من الناتج المحلي الإجمالي، والتساؤل المحق هو هل تسعى السعودية من خلال خلق هذا الاختلال المالي الواسع للاستيلاء على “حصة السوق”  فقط؟ أم أن هناك شيئًا آخر يحدث خلف الستار؟

يجيب كاتب الجارديان لاري إليوت على هذه التساؤلات بقوله إن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تنفذان مؤامرة تسببت بانخفاض أسعار النفط، حيث يشير الكاتب إلى الاجتماع الذي حصل بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والعاهل السعودي الملك عبد الله في سبتمبر الماضي، والذي توصل فيه الطرفان إلى اتفاق لزيادة إنتاج النفط للتأثير على إيران وروسيا، ونعيد نشر مقتطفات من مقالة إليوت التي كان عنوانها “مخاطر عالية في لعب الولايات المتحدة بورقة النفط ضد إيران وروسيا”:

“تحاول واشنطن، بمساعدة حليفتها السعودية، خفض أسعار النفط، وذلك من خلال إغراق السوق الذي يعاني من ضعف بالطلب بالنفط الخام، ويمكننا فهم هذه الخطوة من خلال الاعتراف بأن روسيا وإيران تعتمدان بشكل أساسي على صادرات النفط لتمويل نفقاتهما؛ ففي سبتمبر الماضي توصّل جون كيري، وزير الخارجية الأمريكية، إلى اتفاق مع العاهل السعودي، يتعهد بموجبه السعوديون ببيع النفط الخام بأسعار أقل من سعر السوق، وهذا التفسير يساعد على فهم سبب الانخفاض المتتالي بأسعار النفط، على الرغم من أن الاضطراب الذي تحدثه الدولة الإسلامية في العراق وسوريا كان كفيلاً برفع أسعار النفط بدلاً من تخفيضها” وأضاف إليوت في ذات المقالة “إن السعوديين عملوا على تنفيذ مخطط شبيه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الدافع الجيوسياسي لهذه الخطوة هو زعزعة نظام صدام حسين من خلال خفض أسعار النفط إلى ما دون 10 دولار للبرميل، ولكن في هذه المرة، ووفقًا للمتخصصين في الشأن الشرق أوسطي، فإن السعوديين يسعون للضغط على إيران وموسكو للتخلي عن دعمهما لنظام الأسد في سوريا”.

من جهته فإن فلاديمير بوتين ليس على يقين من وجود مؤامرة بين السعودية وأمريكا؛ حيث إنه يأخذ موقفًا أكثر اعتدالاً من جميع المتأثرين بالأزمة، فخلافًا لموراليس ومادورو وروحاني، كان الرئيس الروسي مترددًا في إلقاء اللوم في انخفاض الأسعار على التواطؤ الأمريكي – السعودي؛ فهو يشير إلى أن هذا الاتفاق قد يكون مسؤولاً عن انخفاض أسعار النفط، ولكنه بذات الوقت يُرجِع انخفاض الأسعار لزيادة العرض وضعف الطلب؛ فبوتين مراوغ ذكي يتجنب إصدار الأحكام دون أدلة كافية، ويمكننا ملاحظة موقفه من خلال تصريحه في مقال تم نشره في وكالة ايتار تاس حيث قال “هناك الكثير من الجدل حول أسباب هبوط أسعار النفط؛ فبعض الأشخاص يقولون إن هناك مؤامرة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة من أجل معاقبة إيران أو الضغط على الاقتصاد الروسي أو لممارسة تأثير على فنزويلا، هذا قد يكون السبب الحقيقي، أو قد يكون السبب الحقيقي مختلف، أو قد يكون صراع منتجي النفط التقليدي ومنتجي النفط الصخري هو الذي أدى إلى انخفاض الأسعار”

شاركـنـا !

التعليقات مغلقة.
أخبار الساعة
اعلانات