دراسة : نهر الدم.. والغازهو من يقف وراء داعش في المنطقة
باتت مواقف الدول الكبرى، ودول المنطقة المحيطة بسوريا أكثر وضوحاً بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على الأزمة التي تعيشها المنطقة بدولها وشعوبها. ومع تفجر الحرب الطاحنة في الأشهر الأخيرة في المناطق الوسطى من العراق، والشمالية من سوريا، وسيطرة داعش على هذه المناطق، لا بد من أن نستعرض بالتحليل والوقائع الأسباب الحقيقية لما يجري، واتجاهات الأمور مستقبلاً، فضلاً عن فك اللبس في مواقف دولٍ لا تزال توفر الدعم للمقاتلين المتطرفين بشكلٍ شبه علني، فيما تعلن في المقابل حرصها على نجاح التحالف الدولي في ضربهم. لقد سيطر “داعش” على أراضٍ بين سوريا والعراق تكبر الأردن مساحةً، ولكن هذه السيطرة فجرت خلافات داخل التحالف الأميركي نفسه، بحيث ظهرت إلى العلن التباينات بين السياسات الأميركية والتركية وأولويات كل منها. وبين هذا وذاك، يواجه الكرد في شمال سوريا خطر إبادة وجودهم في مدينة عين العرب-كوباني، وغيرها من مناطق تواجدهم في مرمى نيران التنظيم المريب. 

ما وراء الأكمة.. حرب أنابيب الغاز

خطا الغاز (السعودي والقطري) المفترض مرورهما بسوريا والعراق
خطا الغاز (السعودي والقطري) المفترض مرورهما بسوريا والعراق
لا شك بأن الفوضى التي أصابت الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية لها أسبابها الداخلية المهمة في كثير من المواضع، ولكن الذي بات حقيقة مؤكدة هو أن صراع السياسات الخارجية، وحروب الجيوبوليتيك بين القوى الإقليمية والدولية، كانت ولا تزال هي القوة الدافعة الرئيسة لاستمرار حرب الميدان في المنطقة، وخصوصاً في سوريا والعراق، وما معركة عين العرب-كوباني إلا محطةً منها، لها دلالاتها فائقة الأهمية.

في عام 2013، قال الخبير الاستراتيجي البرازيلي بيبي اسكوبار إن “من يسيطر على سوريا يتحكم بشريان الغاز”، مصدر الطاقة الرئيس للقرن الحالي، وقد كانت هذه المقولة مفتاح التحليلات التي تقول إن أساس كل أحداث المنطقة، حرب تدور رحاها في أروقة مواقع التخطيط الاستراتيجي في الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وقطر والسعودية وغيرها، فضلاً عن الدول المعنية مباشرةً بهذه الأحداث التي تجري على أراضيها، أي سوريا والعراق، ويضاف إليها لبنان بنتيجة تأثره العميق بما يجري في جواره، وأيضاً بسبب عامل مستجد هو اكتشاف مخزون من الغاز في مياهه.

في السياق عينه،  تحدث رئيس مركز الدراسات والمعطيات الاستراتيجية الدكتور عماد فوزي الشعيبي عن الحرب التي تدور خلف الكواليس بين القوى المؤثرة (أو الطامحة إلى التأثير) في المنطقة، حول مشروعات كبرى لتمديد أنابيب الغاز عبر العالم، ومن أهم هذه الأنابيب ما خطط لمروره في الأراضي السورية والعراقية.

وفي المعلومات التي أوردها، قسمت الخطوط الكبرى لأنابيب الغاز إلى مشروعات تقع تحت نفوذ روسيا وحلفائها، ومشروعات أخرى تقع تحت تأثير الولايات المتحدة وحلفائها، بينما يتصارع المحوران على تمديد مشروعات جديدة عبر دول المنطقة، وقد كان هذا الصراع محركاً أساسياً لسياسات هذه الأطراف وتعاطيها مع أحداث السنوات الأخيرة.

ووفقاً لهذا المنطلق، كانت كل من تركيا والولايات المتحدة وقطر والسعودية تلتقي في بداية الأحداث على مشتركات ترتبط بمخططات كل منها لأنابيب الغاز التي سعت لتمريرها عبر سوريا والعراق إلى تركيا والمتوسط، وقد خاضت هذه الدول حربها جنباً إلى جنب على سوريا، ولاحقاً على العراق (مع اختلاف توزيع الأدوار والظروف والتوقيت). وبعد تبين عدم إمكانية تحقيق المشروع بالشكل الذي خطط له بسبب المقاومة الصلبة من قبل سوريا والمحور المقابل، وصلت كل دولة إلى محطة اضطرت معها إلى البحث عن مصلحتها الخاصة، الأمر الذي أفرز خلافات تبدو مستغربة لمن يغيب عنه البعد الاقتصادي للأحداث.

لقد رسمت الولايات المتحدة الأميركية مساراً كاملاً من العلاقات الاقتصادية والسياسية من القوقاز إلى البلقان وصولاً إلى أوروبا الشرقية، بهدف إضعاف قدرة الروس (تهيمن روسيا على 75% من الانتاج العالمي من الغاز) على الهيمنة على إمدادات الغاز إلى القارة العجوز، ولكن واشنطن أصيبت بخيبة كبيرة بعد تأخر انتهاء تنفيذ خط “نابوكو” من عام 2014 إلى العام 2017، وهو الخط الذي يمتد من أذربيجان عبر تركيا إلى بلغاريا، ثم إلى رومانيا فالنمسا بكلفة أولية قدرت بـ10.8 مليار دولار عادت وارتفعت إلى 30 ملياراً؛ فيما كانت روسيا تؤكد سيطرتها على السوق الأوروبي عبر تمديد خطوط أخرى تصل إلى النمسا وألمانيا، مستفيدةً من مساعدة إيران لها من خلال تحويلها وجهة الفرع الثاني من “نابوكو”، من تركيا إلى العراق وسوريا.

وشرح الشعيبي (عام 2013) كيف كان مرسوماً لخط سعودي أن يمر عبر العراق، ثم إلى منطقة حمص في سوريا، ومنها إلى مدينة طرابلس اللبنانية، وفي فرع آخر من منطقة حمص إلى ساحل مدينة بانياس السورية؛ إضافةً إلى خط غاز قطري يمر عبر الخليج ثم يأخد طريقاً عبر العراق وصولاً إلى تركيا التي تستورد من إيران معظم حاجتها من الغاز؛ وكيف أن إيران غيرت أيضاً وجهة خط “بارس” الذي ينقل الغاز من الحقل الواقع بين إيران وقطر (الجزء الإيراني من الحقل يحتوي على أكبر كمية من الغاز ومخزونات ضخمة جداً بحسب تقرير لشركة BP البريطانية عام 2012)، والذي كان من المفترض أن يمر من الخليج إلى تركيا، وحولته إلى وجهة العراق وسوريا، إضافة إلى اختيار اليونان كمصب بدلاً من تركيا، ما أدى إلى غضب الأتراك والقطريين، وذهابهم باتجاه التصعيد السياسي والعسكري عبر الأطراف التي يمولونها في الساحتين السورية والعراقية؛ فيما دعمت إسرائيل موقف أنقرة عبر الاتفاق على صب الغاز الاسرائيلي في تركيا.

لقد تركت هذه الأحداث أثرها على تطورات الميدان العسكري، وأدت إلى تسعير المواقف بين الدول المتنافسة، حتى وصلت إلى حد دعم تركيا وقطر تنظيمات إرهابية تقاتل على الأراضي السورية والعراقية، مخالفةً التصنيفات الأميركية المعلنة للحركات الإرهابية، بعد أن بدا أن الغاز القطري سيفقد قدرته التنافسية وبالتالي أهميته بالنسبة للمستوردين، وبعد أن فقدت تركيا فرصة أن تكون مركز الترانزيت لكل غاز الشرق نحو أوروبا.

إن معرفة هذه الوقائع، تفسر إلى حدٍ كبير موقف السياسية الخارجية الحالية لكل من تركيا وقطر بخصوص دعم تنظيم “داعش”، وتحفيزه على السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي في وسط العراق وشمال سوريا، ذلك أن المنطقتين المذكورتين تشكلان ممر خطوط الأنابيب التي تعيد إنعاش صادرات الغاز القطري، ومكانة الترانزيت التركي.

 

حجم الهدف يسقط الخطوط الحمراء التقليدية

مقاتلتان كرديتان في شمال سوريا
مقاتلتان كرديتان في شمال سوريا
قبل أربع سنوات، لم يكن أحد ليتوقع أن تسقط خطوط “سايكس-بيكو” على يد تنظيم إرهابي، أو أن تتجرأ الدول الأربع المتجاورة (تركيا، العراق/ إيران وسوريا) على لعب الورقة الكردية في صراعاتها؛ ولكن الحال تبدلت تبعاً لحجم الأهداف الكبرى التي ذكرنا بعضها، ووجد الكرد أخيراً فرصتهم لخلق قضية تمهد لإعلان الدولة التي يحلمون بها منذ زمن طويل.

يقدر الكاتب غنثر ديشنر (في كتابه الصادر هذا العام بعنوان: الكرد.. شعب بدون دولة..تاريخ وأمل) عدد الكرد وتوزعهم على الشكل التالي: حوالى 15 مليوناً في تركيا، و10 ملايين في إيران، وقرابة خمسة ملايين في العراق، وبين المليون والمليونين في سوريا. وهؤلاء لطالما سعوا إلى تحقيق دولتهم، وأقاموا صلاتاً وثيقة مع الأميركيين، ووثقوا بهم في كل مرة طلبت منهم هذه الثقة، وحاربوا نظام صدام، وتركيا؛ واليوم يبدو أن الكرد يميلون إلى إعطاء الولايات المتحدة وتحالفها الثقة مجدداً، فهم يحاربون لأجل دولتهم المنشودة أولاً وآخراً.

منذ بدء الأحداث في سوريا، سمحت الدولة السورية للكرد في شمال شرق البلاد بحماية مناطقهم بأنفسهم، وقد قامت بذلك من منطلق يختلف كثيراً عن ذلك الذي أعطوا بموجبه منطقة حكم ذاتي في العراق؛ ذلك أن دمشق اضطرت إلى ذلك بسبب ظروف الحرب ميدانياً، وبسبب فتح تركيا لحدودها أمام تدفق المقاتلين الأجانب إلى الأرض السورية، واصرارها على إسقاط النظام السوري بالقوة، وبالتالي فإن أي مجهودٍ عسكريٍ سوري في منطقة الكرد، أو في معظم المناطق الحدودية مع تركيا، هو هدر للجهود وللأرواح ما لم تغير تركيا سياستها حيال سوريا.

استفاد الكرد من هذا الواقع، ليبسطوا مع الوقت سيطرةً غير متنازع عليها مع أحد في مناطق تواجدهم، حتى أتاهم تنظيم “داعش”، مدعوماً بتركيا، ليهدد وجودهم في مدينة عين العرب-كوباني قرب الحدود مع تركيا. لقد تقاعست الولايات المتحدة وحلفاؤها عن مواجهة تمدد “داعش” بين سوريا والعراق منذ بدايته، لعلمهم أن استمرار تقدم الجيش السوري واستعادته مزيداً من أرضه، إلى جانب فوز تحالف المالكي في الانتخابات العراقية، كان ليحدث ارتدادات استراتيجية عميقة تصل إلى إسقاط مشروعهم في المنطقة بالضربة القاضية؛ وسمحوا لداعش بالتمركز في “منطقة الأنابيب” المفترضة، حتى وصلت سيطرة التنظيم إلى أبواب كركوك وأربيل في العراق، وعين العرب في سوريا.

وهنا، حان وقت الورقة الكردية التي لطالما أخرجها الأميركي من كمّه في معظم حروبه في المنطقة. أنشئ التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وروجت صور سينمائية للمقاتلات الكرديات في إطار درامي تظهر بسالة مواجهتهن لداعش، ونشرت قصص تفصّل مواقف البطولة في مواجهة النموذج الإسلامي الذي قالت هيلاري كلينتون يوماً إن بلادها هي من اخترعته.

 

في الأفق

مفترق طرق أمام جميع اللاعبين
مفترق طرق أمام جميع اللاعبين

من يتابع أحداث الأزمة السورية بدقة، يرى كيف سقطت أوراق “المعارضة المعتدلة” مرةً بعد الأخرى، وكيف انتهت تجربة الجيش الحر والائتلاف الوطني والمجلس الوطني والحكومات الانتقالية، من دون أن تتمكن الولايات المتحدة من أن تنعشها.

ومع تعذر هضم الإدارة الأميركية الحالية لذلك، ولخسارتها حرب السنوات الثلاث على سوريا، كان لا بد من اكتشاف طرف جديد قادر على لعب دور المعارضة المعتدلة المقبولة دولياً؛ وهي الشروط التي تتوافر في أكراد الشمال السوري، مع إضافة فائقة الأهمية، وهي أنهم شعب يملك قضية تاريخية في المنطقة، وقد تعرضوا لنكران بعض حقوقهم في الدول التي ينتشرون فيها، والأهم من ذلك أنهم معرضون لهولوكوست داعشي، وهم يحاربون بشراسة على الأرض تحت غطاء الطائرات الأميركية.

إن التعاطي الأميركي مع كرد سوريا يقلق تركيا التي تعتبر أن أي تسليح لهؤلاء سيرتد حكماً على أمنها القومي، وأن هؤلاء سيوجهون بنادقهم إلى صدر تركيا بعد انتهاء حربهم مع داعش، كما أن ملامح تآمر الأميركي في موضوع الدولة الكردية يقلق تركيا إلى حد أن يقول رئيسها رجب طيب أردوغان “إن مدينة عين العرب-كوباني السورية مدينة استراتيجية لتركيا، وليس للولايات المتحدة”، وانه سيتخذ تدابير ذات أهمية خاصة حيال ذلك”،  منتقداً “سياسة الكيل بمكيالين التى تنتهجها” (الولايات المتحدة من دون ذكر اسمها صراحة)، وقال: “تشعرون بكل هذا القلق حيال عين العرب، لكن لماذا لا تشعرون بأي قلق حيال بقية المدن السورية التى تشهد أحداثا مماثلة”.

تفضل الولايات المتحدة كياناً بين إيران والعراق وسوريا، يكون قادراً على ابتزاز الجميع، وفي الوقت نفسه يتقدم تحت غطاء طائرات التحالف لمحاربة النظام السوري، ليعيد تنشيط المناطق التي استعادها الجيش السوري؛ فيما تفضل تركيا أن تسيطر داعش على المنطقة الشمالية من سوريا بشكلٍ كامل، على أن يوكل إليها التدخل بغطاء من الغرب لتحتل المنطقة وتمرر مشروعاتها الاستراتيجية، وهي تقف خلف مقولة “لسنا بحاجة لإذن من أحد لحماية أمننا القومي”، وبطبيعة الحال فإن الغاز ملف أمن قومي أيضاً.

في المقابل، تدرك إيران خطورة اللحظة، فقد تدخلت بسرعة لتهدد باستعدادها للتدخل في عين العرب-كوباني في ما لو طلبت سوريا ذلك بحسب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين، ولا تغفل عن رسم الخط الأحمر عندها، وهو تعرض التحالف الأميركي لمواقع الدولة السورية.

من جانبها، تحاول سوريا الاستفادة مما تعلنه الولايات المتحدة في إطار مكافحة الإرهاب، وتركز على ناحية محددة من فكرة التحالف الدولي ضد “داعش”، وهي تثبيت حقيقة أن لغة السياسة الخارجية السورية وبالتالي تعامل الدولة الميداني مع هذه القوى كان محقاً منذ البداية، باعتبارها منظمات إرهابية تحتل أرضاً سورية، وتسعى إلى نشر الإرهاب في المنطقة؛ وتستعمل دمشق في سبيل ذلك لغة دبلوماسية ذكية حيال التحالف الدولي، من دون التنازل عن سيادتها على أرضها من خلال التشديد على ضرورة تنسيق الضربات معها.

وفي اليد الأخرى، يتابع الجيش السوري التقدم في مناطق تعتبر أكثر أهمية بالنسبة له في مسيرة استعادة الأرض والسيادة عليها من أيدي المجموعات الإرهابية الأخرى التي باتت أقل قوة من السابق، نظراً للاعتبار الذي سبق ذكره، وهو أن صرف الجهد العسكري في منطقة التماس مع تركيا هو هدر للجهود قبل تغير الموقف التركي، والذي لا بد أن يحصل تحت ضغط الواقع والوقت، وفي ظل إصرار حلفاء سوريا على محاصرة تركيا بوسائل القوة الناعمة. فيما يسود اعتقاد عند كثير من المراقبين بأن سوريا قادرة على القضاء على داعش في الشمال (في ظل موقف تركي متعاون)، كونها استطاعت استعادة مناطق في وسط البلاد كانت تشكل قاعدةً للمجموعات المسلحة وبيئة حاضنة لهم، الأمر الذي لا يتوافر في الرقة وحلب على سبيل المثال.

وعليه، فإن فرص نجاح السيناريو التركي الذي يحبذ مزيداً من التمدد لداعش آخذة بالانحسار، كما أن فرص نجاح السيناريو الأميركي الذي يحبذ خلق كيانٍ كردي يخلف داعش لا تبدو راجحة في ظل تحفز إيران والعراق لمواجهة ذلك بكل قوة؛ فضلاً عن وصول التوتر الروسي الأميركي إلى درجاته القصوى وعلى المستويات كافة، الأمر الذي يؤكده تصريح لافروف الأخير والذي هاجم فيه الولايات المتحدة بقسوة، متحدثاً عن ضرورة تبدل النظام الإقتصادي الدولي وإعادة توزع القوى، وبالتالي يكون قد أشار إلى الأبعاد الحقيقية للحرب الدائرة.

شاركـنـا !

التعليقات مغلقة.
أخبار الساعة
اعلانات