اجتماع إدارة الدولة… بين مكافحة الفساد وتثبيت هيبة الدولة

سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث في الشأن السياسي
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس أهمية الاجتماعات بعدد الحاضرين فيها، بل بما تحمله من رسائل وما تفضي إليه من قرارات ترسم ملامح المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاجتماع السابع والثلاثين لائتلاف إدارة الدولة بوصفه محطة سياسية مهمة، جاءت في ظل تحديات داخلية معقدة ومتغيرات إقليمية متسارعة تفرض على العراق إعادة ترتيب أولوياته الأمنية والسياسية والاقتصادية.
ولعل أبرز ما ميّز الاجتماع هو الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى تحديد مسارات تنفيذية أكثر وضوحًا، وتشخيص المخاطر التي تواجه الدولة، وفي مقدمتها ملف حصر السلاح بيد الدولة. فهذا الملف لم يعد مجرد شعار سياسي أو التزام حكومي، بل تحول إلى مشروع مؤطر بجدول زمني ينتهي في الثلاثين من أيلول 2026، مع إعلان واضح بأن أي نشاط بعد هذا التاريخ سيخضع لأحكام القوانين النافذة، بما فيها قانون مكافحة الإرهاب.
ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا في مقاربة الدولة للملف الأمني، وانطلاقًا من قناعة بأن استقرار الدول لا يتحقق بوجود مراكز متعددة للقوة، وإنما من خلال احتكار الدولة وحدها لاستخدام السلاح، وفقًا للدستور والقانون، بما يعزز هيبة الدولة ويرسخ سيادة المؤسسات.
وفي الوقت ذاته، حمل البيان رسالة لا تقل أهمية، تمثلت في رفض استخدام الأراضي العراقية منطلقًا للاعتداء على دول الجوار أو تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويعكس هذا الموقف حرص بغداد على ترسيخ سياسة خارجية متوازنة، تقوم على حماية السيادة الوطنية، وتجنيب البلاد الانخراط في صراعات تستنزف قدراتها وتعرقل مسيرة التنمية والاستقرار.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أولى الاجتماع اهتمامًا واضحًا بملف الإصلاح المالي ومكافحة الفساد، الذي استنزف موارد الدولة وأضعف قدرتها على مواجهة الأزمات وتلبية الالتزامات الأساسية، وفي مقدمتها تأمين رواتب الموظفين واستمرار المشاريع والخدمات. ومن هنا جاء التأكيد على تنويع منافذ تصدير النفط، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، ومكافحة الفساد والتهريب والهدر، باعتبارها خطوات ضرورية لمعالجة الاختلالات البنيوية التي جعلت الاقتصاد العراقي شديد التأثر بالتقلبات الخارجية، وأسهمت في إضعاف كفاءة الإدارة المالية للدولة.
ورغم وضوح الرسائل التي حملها الاجتماع، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار البيانات أو إعلان المواقف، بل في تحويل هذه الرؤى إلى سياسات عملية وإجراءات قابلة للتنفيذ. تحتاج إلى إرادة سياسية موحدة، وتنسيق مؤسساتي فاعل، وإسناد شعبي واسع، حتى تتحول من أهداف معلنة إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين واستقرار الدولة.
إن نجاح هذه المسارات لن يُقاس بحجم التصريحات، بل بقدرة الدولة على فرض القانون، وتجفيف منابع الفساد، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن العراق قد بدأ بالفعل مرحلة جديدة عنوانها هيبة الدولة، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة

