بعد نهاية مهمة التحالف الدولي.. هل يستطيع إقليم كوردستان حماية نفسه؟
قبل حرب تنظيم داعش وخلال سنوات الحرب ضده، كانت قوات البيشمركة منقسمة بين الأحزاب السياسية، إذ كان لكل حزب سياسي رئيسي في إقليم كوردستان جناحه العسكري الخاص، ولا سيما الحزبان الرئيسيان.
وعقب إعلان تشكيل التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في 10 أيلول 2014، بدأت قوات التحالف عملياتها العسكرية ضد داعش، واتخذت من أربيل قاعدة لعملياتها، قبل أن تتوسع مشاركة التحالف لتشمل دولاً إقليمية ودولية، من بينها عدد من الدول الأوروبية.
وفي إطار التحالف الدولي، وُقعت مذكرة تفاهم بين وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة البيشمركة للمرة الأولى عام 2016، ثم جرى تجديدها عام 2022، ومن المقرر أن تنتهي في نهاية أيلول 2026.
وتهدف مذكرة التفاهم إلى تقديم الدعم المالي لقوات البيشمركة، وتزويدها بالمعدات والتجهيزات العسكرية، والإشراف على عملية دمج القوات الحزبية تحت مظلة وزارة البيشمركة، إلى جانب مواصلة دعمها في الحرب ضد تنظيم داعش، وتعزيز التنسيق بين قوات البيشمركة والقوات الأمنية العراقية.
وفي إطار مذكرة التفاهم، تأسست عام 2017 مجموعة استشارية متعددة الجنسيات عُرفت باسم MNAG، وضمت مستشارين من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا. وتولت المجموعة مهمة الإشراف على عملية إصلاح وتوحيد قوات البيشمركة، والعمل على تنفيذ مشروع إصلاحي يتكون من 35 نقطة، يهدف بصورة أساسية إلى توحيد القوات التابعة للأحزاب السياسية تحت مظلة قيادة عسكرية موحدة، وبناء جيش وطني محترف يخضع لقيادة وزارة البيشمركة.
وفي هذا السياق، حلت الوحدتان 70 و80، ليحل محلهما قيادة المنطقة الأولى في أربيل والمنطقة الثانية في السليمانية، مع تشكيل 11 فرقة عسكرية تحت إدارة وزارة البيشمركة.
* ماذا يعني انتهاء مهمة التحالف الدولي بالنسبة إلى البيشمركة؟
حدد العراق والولايات المتحدة يوم 30 أيلول 2026 موعداً نهائياً لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق واستكمال انسحاب قواته. غير أن ذلك لا يعني نهاية التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة والعراق، بل يمثل انتقالاً من مرحلة التحالف العسكري لمحاربة تنظيم داعش إلى مرحلة جديدة تقوم على علاقة أمنية وعسكرية طويلة الأمد بين بغداد وواشنطن.
أما بالنسبة إلى قوات البيشمركة، فهل سينتهي الدعم العسكري الأمريكي لها بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي؟
الإجابة هي: نعم، سينتهي الدعم بانتهاء مهمة التحالف الدولي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة توقف التعاون الأمريكي مع قوات البيشمركة. فقد أكدت الولايات المتحدة استمرار تعاونها مع القوات العراقية، بما فيها قوات البيشمركة، بهدف تعزيز قدراتها في مواجهة تنظيم داعش.
غير أن طبيعة هذا الدعم ستتغير، ومن المتوقع أن يكون أي دعم أمريكي مستقبلي لقوات البيشمركة عبر وزارة الدفاع العراقية.
* هل سيؤثر انسحاب قوات التحالف الدولي على إقليم كوردستان؟
بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش، أصبح وجود قوات التحالف الدولي في إقليم كوردستان يحمل أهمية معنوية وسياسية لإقليم كوردستان، إلى جانب رسالة اطمئنان يحملها وجود هذه القوات لشعب كوردستان، أكثر من الدور الذي تؤديه في حماية إقليم كوردستان.
فوجود قوات التحالف الدولي كان مرتبطاً في الأساس بالحرب على تنظيم داعش. أما في المرحلة الحالية، فإن وجود هذه القوات لا يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية أجواء إقليم كوردستان، بقدر ما يرتبط بحماية القوات والقواعد والمصالح الأمريكية في العراق.
وقد تعرض إقليم كوردستان خلال الأشهر الماضية لمئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، كما تعرضت مواقع ومقرات مرتبطة بقيادات سياسية وقوات البيشمركة لهجمات. ومع ذلك، لم تتمكن منظومات الدفاع الجوي الأمريكية من منع هذه الهجمات.
ومن زاوية أخرى، يمكن أن يصب انسحاب قوات التحالف الدولي من إقليم كوردستان في مصلحة إقليم كردستان، لأنه ينهي إحدى الحجج التي تستخدمها إيران والفصائل المسلحة المقربة منها لتبرير استهداف كوردستان، بحجة وجود القوات الأمريكية أو قوات التحالف الدولي.
* ماذا ينبغي أن تفعل حكومة إقليم كوردستان بعد انسحاب قوات التحالف الدولي؟
لا يمكن لإقليم كوردستان أن يبقى إلى الأبد بانتظار الحماية من الآخرين. فالمرحلة المقبلة تتطلب قدراً أكبر من الاعتماد على الذات، وتعزيز المؤسسات، وتطوير قدراته الأمنية والدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون والتنسيق مع القوات الأمنية العراقية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي على قيادة إقليم كوردستان العمل على تصفير المشكلات الداخلية والخارجية، لأن المرحلة المقبلة تتطلب معالجة عدد من الملفات الحساسة التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في أمن إقليم كوردستان واستقراره.
ومن أبرز هذه الملفات قضية وجود الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة على أراضي إقليم كوردستان، والعمل على تسوية هذا الملف بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية، وفق الاتفاق الأمني الموقع بين العراق وإيران عام 2023. وهناك بالفعل جهود مشتركة لمعالجة هذه القضية.
كما ينبغي معالجة ملف قوات «بيشمركة روجافا» والعمل على إيجاد حل مناسب له، بما في ذلك إمكانية عودتها إلى سوريا، بالتوازي مع معالجة ملف اللاجئين والنازحين، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين السوريين والأتراك والإيرانيين، وكذلك النازحين العراقيين، إلى مناطقهم وبلدانهم، بما يسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية عن كاهل شعب إقليم كوردستان.
وبالإضافة إلى ذلك، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق قيادة كوردستان للعمل بجدية على حل جميع الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، ولا سيما الملفات المتعلقة بالميزانية والرواتب والنفط والغاز والمناطق المتنازع عليها والبيشمركة.
وكذلك الإسراع في تشكيل حكومة إقليم كوردستان، والتنازل عن جزء من المصالح الحزبية الضيقة لمصلحة المصالح العليا لشعب كوردستان.
لقد أضعف الانقسام بين الأحزاب الكوردية الموقف الكوردي في العديد من الملفات الداخلية والإقليمية والدولية. ولذلك، فإن وحدة الصف الكوردي، وتعزيز مؤسسات حكومة إقليم كوردستان، وبناء قدرات أمنية ودفاعية مستقلة، وإدارة العلاقات مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة، يجب أن تكون من أهم أولويات المرحلة المقبلة.
وستكون المرحلة الجديدة اختباراً حقيقياً لقدرة إقليم كوردستان على الاعتماد على مؤسساته وقواته الأمنية والعسكرية، وعلى إدارة علاقاته مع بغداد ودول الجوار بصورة أكثر توازناً، بعيداً عن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية.
فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يعتمد إلى الأبد على وجود قوات أجنبية، وإنما يبدأ من وحدة البيت الداخلي، وقوة المؤسسات، وتماسك المجتمع، وتوحيد القوات العسكرية والأمنية، وقدرة القيادة السياسية على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة تحفظ مصالح شعب إقليم كوردستان.
إن انسحاب القوات الأجنبية قد يمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، يكون فيها إقليم كوردستان أكثر اعتماداً على نفسه في مواجهة التهديدات ومعالجة مشكلاته الداخلية والخارجية. وهذه المرحلة لن تكون سهلة، لكنها قد تشكل فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية وسياسية أكثر تماسكاً، وتعزيز مؤسسات حكومة إقليم كوردستان، وترسيخ وحدة القرار الكوردي، وبناء علاقات أكثر توازناً مع بغداد ودول الجوار.
إسلام زيباري

