الصين والشرق الأوسط.. من إدارة الأزمات إلى بناء أمن إقليمي جديد بقلم الدكتور حيدر البرزنجي

لم تعد أزمات الشرق الأوسط مجرد نزاعات منفصلة يمكن التعامل معها كل واحدة على حدة؛ فالمنطقة تحولت خلال العقود الماضية إلى شبكة متداخلة من الصراعات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها قضايا فلسطين وسورية واليمن والعراق ولبنان وأمن الخليج والبحر الأحمر، حتى أصبح من الصعب الوصول إلى استقرار حقيقي من دون معالجة الصورة الكاملة.
ومن هذا المنطلق تكتسب المبادرة التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته إلى القاهرة في الثاني من أيلول/سبتمبر 2026 أهمية خاصة. ففي مباحثاته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طرح شي أربعة مقترحات لبناء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط تقوم على مفهوم «الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام».
واللافت هنا أن الصين لا تقدم وصفة عسكرية جديدة للمنطقة، ولا تقترح تحالفاً موجهاً ضد طرف بعينه، وإنما تطرح إعادة النظر في فلسفة الأمن الإقليمي نفسها: من أمن يقوم على موازين القوة والتدخلات الخارجية إلى أمن يقوم، وفق الرؤية الصينية، على الحوار والسيادة والتنمية والتعاون.
المقترح الأول: أن يمتلك أهل المنطقة قرارهم
النقطة الأولى تبدو الأكثر ارتباطاً بجوهر الأزمة الشرق أوسطية، وهي أن يكون لأبناء المنطقة الدور الأساسي في تحديد مستقبلها، مع رفض التدخلات الخارجية، وتشجيع دول المنطقة على الدخول في حوار حول السلام والأمن وإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.
هذه الفكرة تعني عملياً أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبقى رهناً لتفاهمات تُعقد خارج المنطقة، أو لصراعات القوى الكبرى، أو لمعادلات تقوم على استخدام دول المنطقة كساحات لتصفية الحسابات.
فالسيادة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي شرط لبناء الاستقرار. وكلما زادت قدرة دول المنطقة على إدارة خلافاتها بالحوار، تراجعت مساحة التدخل الخارجي، وأصبح من الممكن الانتقال من منطق «إدارة الأزمات» إلى منطق «منع الأزمات».
لكن تحقيق ذلك يتطلب أيضاً مسؤولية من دول المنطقة نفسها؛ إذ لا يمكن مطالبة القوى الخارجية بعدم التدخل، بينما تستمر بعض الأطراف الإقليمية في استخدام أدوات خارج الحدود. الأمن الإقليمي الحقيقي يبدأ عندما تتحول السيادة إلى قاعدة متبادلة، لا إلى مطلب يُرفع في مواجهة الآخرين فقط.
المقترح الثاني: لا يمكن فصل أزمات المنطقة عن بعضها
المقترح الصيني الثاني ينطلق من حقيقة أصبحت واضحة للجميع: أزمات الشرق الأوسط مترابطة، ولذلك فإن الحلول الجزئية لن تنتج سلاماً دائماً.
وتضع الصين القضية الفلسطينية في مركز هذه المعادلة، مؤكدة أن القضية الفلسطينية لا ينبغي إهمالها أو تهميشها، باعتبارها جوهر قضية الشرق الأوسط.
وهنا تكمن أهمية الرؤية الشاملة؛ لأن استمرار الصراع الفلسطيني لا يمثل أزمة إنسانية وسياسية فحسب، بل ينعكس على مجمل البيئة الأمنية في المنطقة، ويغذي التوتر والاستقطاب ويمنح القوى المتصارعة مبررات جديدة للاستمرار.
ومن الصعب بناء شرق أوسط مستقر بينما تبقى القضية الفلسطينية مفتوحة على الحروب والتهجير والاستيطان وانعدام الأفق السياسي.
لذلك فإن أي منظومة أمن إقليمية جديدة تحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وليس فقط احتواء نتائجه. وهذا يعني أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي، بل يجب أن يكون جزءاً منه.
المقترح الثالث: التنمية ليست نتيجة للأمن فقط.. بل شرط له
ربما يكون هذا الجانب من المبادرة الصينية هو الأكثر عمقاً على المستوى الاستراتيجي.
فالصين تربط بصورة مباشرة بين التنمية والأمن، وتؤكد أن الاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط يعتمد بصورة أساسية على التنمية، مع التركيز على حماية الممرات المائية الدولية، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وربط مصالح دول المنطقة ببعضها، وبناء الثقة وإزالة البيئة التي تسمح باستمرار الصراعات.
وهذه رؤية مختلفة عن المقاربات التقليدية التي تنظر إلى الأمن باعتباره قضية عسكرية بالدرجة الأولى.
فالمنطقة التي تمتلك الطاقة والثروات والموقع الجغرافي المهم لا ينبغي أن تكون في الوقت نفسه من أكثر مناطق العالم استنزافاً للموارد البشرية والاقتصادية في الصراعات.
إن تحويل المصالح المتنافسة إلى مصالح مشتركة قد يكون أحد أهم مفاتيح الاستقرار. وعندما تصبح التجارة والطاقة والنقل والاستثمار والبنية التحتية والممرات البحرية مصالح مشتركة بين الدول، فإن كلفة الحرب سترتفع، بينما تصبح كلفة السلام أقل وأكثر فائدة للجميع.
وهنا تظهر أهمية التجربة الصينية في ربط التنمية بالاستقرار، وليس التعامل معهما كمسارين منفصلين.
المقترح الرابع: القانون الدولي بدلاً من ازدواجية المعايير
أما المقترح الرابع فيتعلق بالدور الدولي. فالصين تدعو إلى تعزيز التنسيق الدولي على أساس ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وترفض ازدواجية المعايير، وتؤكد ضرورة احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، مع دعم دور الأمم المتحدة في معالجة قضايا الشرق الأوسط.
وهذه النقطة تحمل رسالة واضحة إلى القوى الدولية: الشرق الأوسط ليس منطقة بلا قواعد، ولا ينبغي أن تختلف قواعد التعامل مع دولة عن أخرى بحسب موقعها السياسي أو تحالفاتها.
فاستقرار النظام الدولي يبدأ من تطبيق قواعده بصورة متساوية. وكلما شعر طرف بأن القانون الدولي يُطبق عليه وحده بينما تُمنح أطراف أخرى استثناءات، تراجعت الثقة بالنظام الدولي نفسه.
ومن هنا فإن الدعوة الصينية إلى التخلي عن ازدواجية المعايير تتجاوز الأزمة الشرق أوسطية إلى سؤال أوسع يتعلق بشكل النظام الدولي الذي يتجه إليه العالم.
لماذا القاهرة؟
اختيار مصر لطرح هذه الرؤية ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
فمصر دولة عربية محورية، وتمتلك ثقلاً سياسياً وجغرافياً وأمنياً كبيراً، كما ترتبط مباشرة بملفات فلسطين وغزة والبحر الأحمر والسودان والأمن العربي.
والأهم أن الزيارة جاءت في سياق تعميق الشراكة الصينية المصرية؛ إذ شهدت الزيارة توقيع أكثر من عشرين وثيقة تعاون في مجالات متعددة، بينها الاقتصاد والتجارة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والنقل.
وهذا يكشف عن طبيعة الرؤية الصينية للمنطقة: الأمن والتنمية وجهان لمسار واحد.
فالصين لا تطرح منظومة أمنية منفصلة عن الاقتصاد، بل ترى أن بناء المصالح المشتركة يمكن أن يكون أحد الأدوات التي تمنع عودة الصراعات.
ماذا تعني هذه الرؤية للعراق؟
العراق، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، لا يمكن أن يكون بعيداً عن أي نقاش جدي حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط.
فالعراق يقع في قلب التوازنات الإقليمية، ويرتبط بعلاقات ومصالح مع دول الخليج وإيران وتركيا وسورية والأردن، كما يمثل جسراً مهماً بين المشرق والخليج.
ولهذا فإن قيام منظومة أمن إقليمية تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل والحوار والتنمية يمكن أن يخدم العراق بصورة مباشرة، شرط أن يكون العراق نفسه جزءاً من هذه المعادلة لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
والأهم أن التجربة العراقية خلال العقود الماضية تؤكد أن الأمن لا يمكن اختزاله في الجانب العسكري وحده. فاستقرار الدولة يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة، وعلاقات متوازنة مع الجوار، وعدم تحويل الأراضي العراقية إلى منصة للصراع بين الآخرين.
ومن هنا يمكن للعراق أن ينظر إلى المبادرة الصينية ليس باعتبارها مشروعاً صينياً فقط، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة طرح سؤال أوسع: هل تستطيع دول الشرق الأوسط أن تنتقل من سياسة التعايش مع الأزمات إلى بناء نظام إقليمي يمنع إنتاجها؟
الصين.. شريك أم بديل؟
لا ينبغي قراءة التحرك الصيني باعتباره محاولة لاستبدال قوة دولية بأخرى.
الأدق أن الصين تحاول تقديم نفسها بوصفها قوة دولية قادرة على الجمع بين الدبلوماسية والتنمية والعلاقات الاقتصادية، مستفيدة من علاقاتها الواسعة مع مختلف أطراف المنطقة.
وهذا ما يمنح المبادرة الصينية فرصة مختلفة، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع بكين تحويل هذه المبادئ إلى مسارات عملية، أم ستبقى في إطار الرؤية السياسية العامة؟
فالمنطقة لا تحتاج إلى مبادرات جديدة فقط، وإنما تحتاج إلى آليات تنفيذ، وحوار إقليمي مستمر، وضمانات سياسية، ومشاريع تنموية، وإرادة حقيقية من دول المنطقة للتخلي عن منطق المحاور والصراعات بالوكالة.
من القاهرة بدأت فكرة تستحق النقاش
المبادرات الأربع التي طرحها الرئيس الصيني في القاهرة يمكن اختصارها في معادلة واحدة:
قرار إقليمي مستقل، معالجة شاملة للأزمات، تنمية تصنع الأمن، وقانون دولي بلا ازدواجية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لن تُقاس بجمال صياغتها، وإنما بقدرة دول الشرق الأوسط على تحويلها إلى واقع.
فالمنطقة لا تعاني نقصاً في المبادرات والمشاريع السياسية، وإنما تعاني نقصاً في القدرة على تحويل التفاهمات إلى مؤسسات وآليات دائمة.
وربما تكون الرسالة الأهم التي جاءت من القاهرة هي أن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يبقى أسيراً للحروب التي لا تنتهي، وأن الأمن لا يمكن أن يُبنى بالقوة وحدها، وأن التنمية ليست رفاهية مؤجلة إلى ما بعد الاستقرار، بل هي أحد شروطه الأساسية.
إن بناء شرق أوسط أكثر استقراراً لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: لا يمكن لدولة أن تحقق أمنها الدائم على حساب أمن جيرانها، ولا يمكن لمنطقة أن تبني مستقبلاً مستقراً إذا بقيت رهينة لصراعات الماضي.
ومن القاهرة، طرحت الصين سؤالاً يتجاوز المبادرة نفسها: هل حان الوقت لكي يصنع الشرق الأوسط منظومته الأمنية بأيدي دوله، وأن يتحول من ساحة للصراع الدولي إلى شريك في صناعة النظام الدولي الجديد؟

