حصر السلاح وبناء الدولة.. من مرحلة الضرورة إلى اختبار السيادة. بقلم سلام جاسم الطائي

كاتب وباحث في الشأن السياسي
لا يبدو النقاش حول حصر السلاح في العراق مجرد ملف أمني مرتبط بترتيبات المرحلة الراهنة، بقدر ما يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من منطق الضرورة الذي فرضته سنوات الاحتلال والإرهاب والصراع، إلى مرحلة أكثر استقراراً تستند إلى المؤسسات والقرار السيادي.
وفي هذا السياق، تكتسب رؤية سماحة الشيخ الأمين قيس الخزعلي، خلال لقائه مع عدد من الفضائيات، أهمية سياسية خاصة؛ إذ يتعامل مع قضية حصر السلاح بوصفها جزءاً من مشروع أوسع يتعلق ببناء الدولة واستقرار مؤسساتها ومستقبل قرارها السيادي، وليس باعتبارها استجابة لضغوط خارجية أو عنواناً للصراع مع طرف سياسي بعينه.
فالشيخ الخزعلي أكد أن حصر السلاح بيد الدولة طموح مشروع وصحيح لاستقرار مؤسساتها، بما يعكس مقاربة تضع القضية في إطارها الوطني، وتفتح النقاش حول كيفية الانتقال من ظروف استثنائية فرضت أنماطاً معينة من العمل الأمني والعسكري، إلى واقع تصبح فيه المؤسسات الدستورية أكثر قدرة على إدارة شؤون البلاد.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز حديث الشيخ الأمين قضية السلاح بمعناها المباشر إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الدولة العراقية ، متى تنتقل البلاد من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة مستقرة قادرة على إدارة ملفاتها الأمنية والسياسية وفق قواعد واضحة، بحيث يصبح القرار الوطني أكثر رسوخاً وأقل عرضة لتأثيرات الأزمات والتجاذبات؟
وفي هذا السياق، يؤكد الأمين العام لحركة عصائب اهل الحق انه لا ينبغي النظر إلى الحديث عن 30 أيلول باعتباره موعداً للصدام أو لحظة مواجهة داخلية، بل بوصفه محطة سياسية ضمن مسار أوسع يحتاج إلى تفاهمات وطنية وآليات واقعية تضمن معالجة الملف بعيداً عن منطق الاستهداف أو الإقصاء.
لقد تغيرت الظروف التي حكمت مراحل سابقة، والعراق أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياته. وإذا كان عنوان المرحلة الماضية هو حماية الدولة من الانهيار، فإن التحدي المقبل يتمثل في بناء دولة قادرة على حماية نفسها، وإدارة قوتها، وصيانة قرارها السيادي من خلال مؤسساتها.
وبهذا المعنى، فإن رؤية الشيخ قيس الخزعلي بشأن حصر السلاح تطرح القضية من زاوية أعمق من مجرد السؤال عن الجهة التي تمتلك السلاح؛ فهي تضع أمام القوى السياسية سؤالاً يتعلق بكيفية بناء دولة تكون فيها القوة والقرار والسيادة ضمن إطار وطني جامع، وبما يحقق الاستقرار من دون تحويل هذا الملف إلى أداة للصراع الداخلي.
وفي المحصلة، فإن حصر السلاح ليس نهاية مسار، بل جزء من مشروع بناء الدولة يحفظ تضحيات الماضي؛ يضع مصلحة العراق واستقراره وسيادته في مقدمة الأولويات.

