من يحكم العراق فعلاً ((منطق الدولة أم منطق النفوذ))؟

في العراق، لا تكمن المشكلة دائماً في من يظهر أمام الكاميرات، بل ربما فيمن يستطيع التأثير في القرار من دون أن يظهر. فمع كل حكومة جديدة تتكرر الوعود بمكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتنويع الاقتصاد، وبناء دولة المؤسسات، لكن بعد سنوات تتغير الوجوه بينما تبقى الأسئلة نفسها: لماذا يستمر الفساد؟ لماذا لا تتحول ثروة العراق إلى تنمية حقيقية؟ ولماذا تبقى بعض مراكز النفوذ قادرة على الاستمرار رغم تغير الحكومات؟
الدولة الرسمية واضحة: رئيس وزراء، وزراء، مجلس نواب، مؤسسات أمنية وإدارية وهيئات رقابية. لكن السياسة لا تتحرك دائماً داخل هذه المؤسسات وحدها؛ فهناك أحزاب وقوى سياسية ورجال أعمال وشبكات مصالح ووسائل إعلام وشخصيات اجتماعية ودينية تستطيع التأثير بدرجات مختلفة في القرار العام.
ولا يعني الحديث عن النفوذ بالضرورة وجود «غرفة سرية» تدير العراق، بل قد يكون الأمر شبكة مصالح متداخلة، بعضها معلن وبعضها غير معلن، تستطيع الحفاظ على نفوذها حتى مع تغير الحكومات. وقد يكون تأثيرها من خلال التعيينات، والقرارات، وتوزيع الموارد، والعقود، والإعلام، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الحكومة تتغير، لكن قواعد النفوذ تبقى.
ومن أكثر الأفكار التي أضرت بالعراق الاعتقاد بأنه يفتقر إلى الكفاءات. فالعراق يمتلك أعداداً كبيرة من الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والقانونيين والأكاديميين والإداريين، إضافة إلى جيل شاب يمتلك مهارات وأفكاراً حديثة. المشكلة ليست في غياب الكفاءة، وإنما في وصولها إلى مواقع القرار.
فعندما تصبح الوظيفة العامة مرتبطة بالولاء أكثر من الاختصاص، وعندما تتحول المناصب إلى جزء من التوازنات السياسية، تخسر الدولة أهم مواردها: الكفاءة. وعندما تتكرر الأسماء نفسها في المناصب المختلفة، يشعر المواطن بأن النظام السياسي مغلق أمام الوجوه الجديدة.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: «لماذا فشل هذا الوزير؟»، بل يجب أن يكون: «لماذا تستمر الطريقة نفسها في إنتاج الوزراء والمسؤولين؟»
كما أن النفط وحده لا يستطيع بناء دولة قوية. فالدولة تحتاج إلى إدارة كفوءة، وقضاء مستقل، ونظام اقتصادي وضريبي متوازن، وتعليم وصحة وبنية تحتية وقطاع خاص ومؤسسات رقابية حقيقية.
وحين يصبح النفط المصدر الأساسي لتمويل الدولة، تصبح السيطرة على المال العام إحدى أهم أدوات القوة السياسية. وهنا تتداخل السياسة مع الاقتصاد: من يؤثر في القرار يستطيع التأثير في الموارد، ومن يملك الموارد يستطيع توسيع نفوذه السياسي.
وهكذا تنشأ حلقة يصعب كسرها:
النفوذ ينتج المال، والمال ينتج نفوذاً أكبر.
أما المواطن، فيرى ثروة بلاده تمر عبر مؤسسات الدولة، لكنه لا يرى دائماً انعكاسها على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.
الإعلام بين الرقابة والنفوذ
في الدولة الديمقراطية يفترض أن يكون الإعلام سلطة رقابية تضع المسؤول أمام الأسئلة الصعبة. لكن عندما يرتبط الإعلام بالمصالح السياسية والاقتصادية، يمكن أن يتحول من مراقب للسلطة إلى جزء من الصراع عليها.
وهنا يعيش المواطن بين صورتين: صورة سياسية تظهر على الشاشة وتتحدث عن الإنجازات والإصلاح والخطط، وصورة أخرى يراها في الشارع تتمثل في البطالة، والخدمات المتعثرة، والمشاريع المتأخرة، والفساد والبيروقراطية والسلاح المنفلت.
وهذه الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع هي التي تقتل ثقة المواطن بالنظام السياسي.
فالمواطن العراقي لم يعد يبحث عن الخطب والوعود، وإنما يبحث عن النتائج.
تغيير الوجوه لا يكفي
قد تتغير الحكومة والوزير والبرلمان والتحالفات، لكن إذا بقيت الآليات التي أنتجت الفشل كما هي، فسوف يعود الفشل نفسه بوجه جديد.
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يعني استبدال شخص بشخص، وإنما تغيير القواعد التي تسمح بإعادة إنتاج المشكلة.
فلا يكفي أن نقول «سنحارب الفساد»، بل يجب أن نسأل: كيف يحدث الفساد؟ ومن أين تأتي فرصه؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟
ولا يكفي الحديث عن «دولة المؤسسات»، بل يجب أن نسأل: هل المؤسسة أقوى من الحزب؟ وهل القانون أقوى من المسؤول؟ وهل يستطيع الموظف رفض أمر مخالف للقانون من دون أن يخشى على مستقبله؟
ولا يكفي الحديث عن الشباب، بل يجب فتح أبواب مؤسسات الدولة أمامهم فعلياً.
كشف الشبكات لا مطاردة الأشباح
إذا كانت هناك شبكات نفوذ أو ما يسمى بـ«الدولة العميقة»، فإن مواجهتها لا تكون بإطلاق الاتهامات أو مطاردة أشخاص من دون أدلة، وإنما بالشفافية والقانون والرقابة وتتبع المال العام وكشف تضارب المصالح وتعزيز استقلال القضاء وإبعاد المؤسسات الأمنية والإدارية عن التنافس الحزبي.
لكن في المقابل، يجب الحذر من تحويل «الدولة العميقة» إلى شماعة نعلق عليها كل فشل؛ لأن ذلك يسمح للمسؤول الفاشل بالقول إن قوى خفية منعته من النجاح، فيتهرب من مسؤوليته.
المعركة الحقيقية
المعركة في العراق ليست فقط بين حكومة وحكومة، أو حزب وحزب، أو جيل سياسي قديم وجديد، بل هي في جوهرها معركة بين:
منطق الدولة ومنطق النفوذ.
الدولة ترى أن المنصب مسؤولية، بينما النفوذ يراه فرصة.
الدولة تعتبر المال العام ملكاً للشعب، بينما النفوذ يراه وسيلة للقوة.
الدولة تجعل القانون فوق الجميع، بينما النفوذ يجعل العلاقات أقوى من القانون.
الدولة تفتح الطريق أمام الكفاءة، بينما النفوذ يفتح الطريق أمام الولاء.
ولهذا فإن السؤال «من يحكم العراق فعلاً؟» لا يعني البحث عن شخص سري أو جهة غامضة وتحميلها كل مشاكل البلاد، وإنما يعني معرفة كيف يُصنع القرار العراقي، وكيف تتحرك الأموال، ومن يؤثر في التعيينات، ومن يستطيع تعطيل الإصلاح، ومن يمتلك أدوات التأثير في السياسة والاقتصاد والإعلام.
كلما بقيت الإجابات عن هذه الأسئلة غامضة، بقيت الدولة ضعيفة. وكلما أصبحت واضحة وشفافة، أصبحت الدولة أقوى.
العراق لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة أو تغيير الوجوه كل أربع سنوات، بل يحتاج إلى تغيير العلاقة بين السلطة والدولة؛ بحيث لا يكون المسؤول أقوى من المؤسسة، ولا الحزب أقوى من القانون، ولا المال أقوى من الكفاءة.
وعندها فقط يمكن الانتقال من سؤال:
«من يحكم العراق فعلاً؟»
حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية .

