من «الترند» إلى القرار.. هل أصبح عدد المتابعين سلطةً فوق مؤسسات الدولة؟ بقلم سلام جاسم الطائي

كاتب وباحث في الشأن السياسي
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتعبير، بل أصبحت أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه الاهتمام نحو القضايا والأحداث. ومع اتساع هذا الدور، برزت فئة من المدونين والبلوكرات الذين يمتلكون جمهوراً واسعاً وتأثيراً كبيراً، وهو أمر طبيعي في عصر الإعلام الرقمي.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الشهرة إلى نفوذ، والتأثير إلى وسيلة ضغط، وعدد المتابعين إلى سلطة غير رسمية على مؤسسات الدولة.
فامتلاك مئات الآلاف من المتابعين لا يمنح صاحبه صفة رسمية، ولا يخول له التدخل في القرارات الإدارية أو تجاوز القنوات القانونية، كما أن القدرة على صناعة «الترند» لا تعني امتلاك حق فرض المطالب على المسؤولين.
وهنا يجب التمييز بين حرية التعبير واستغلال التأثير الرقمي. فمن حق المدون أو الناشط أن ينتقد أداء المؤسسات، ويكشف الخلل، وينقل شكاوى المواطنين، ويمارس دوره الرقابي والمجتمعي، لكن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد أو ابتزاز أو ضغط للحصول على مكاسب أو استثناءات خارج السياقات القانونية.
وفي المقابل، يتحمل المسؤول الحكومي جزءاً من المسؤولية عندما يصبح حجم المتابعين معياراً للوصول إليه أو للتعامل مع المطالب. فعندما يحصل شخص على استجابة لمجرد امتلاكه منصة واسعة، بينما يعجز المواطن العادي عن الوصول إلى حقه عبر القنوات الرسمية، فإن ذلك يفتح الباب أمام نفوذ شخصي موازٍ للمؤسسة والقانون.
الدولة لا تحتاج إلى «وسيط رقمي» بين المواطن والمؤسسة، وإنما تحتاج إلى قنوات واضحة للشكاوى والمقترحات، وإجراءات عادلة تضمن وصول المواطن إلى حقه بعيداً عن الشهرة والضجيج الإلكتروني.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول مواجهة هذه الظاهرة إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو استهداف المؤثرين؛ فالمؤثر المسؤول يمكن أن يكون شريكاً في التوعية، وكشف الخلل، ونقل صوت المجتمع، وتعزيز الرقابة المجتمعية.
المطلوب هو وضع حدود واضحة بين التأثير المشروع والنفوذ غير المشروع، وبين النقد والابتزاز، وبين التواصل مع المسؤول والتدخل في القرار.
فالشهرة تمنح صاحبها جمهوراً، لكنها لا تمنحه سلطة، والتأثير يمنحه مسؤولية، لكنه لا يمنحه حصانة.
الدولة تُدار بالقانون والمؤسسات، لا بعدد المتابعين، ولا ينبغي أن يتحول «الترند» إلى طريق مختصر للوصول إلى القرار.

