قاعات الصراخ: حين يتشابه نتنياهو وصدام في النهايات…. بقلم ميثم تركي

في السياسة ثمة زعماء يصنعون المجد لشعوبهم وهناك من يصنع المجازر ليحفظ كرسياً يتآكل تحته. بين هذين النمطين المتطرفين من القادة، يطل علينا وجهان من تاريخ مثقل بالدماء وانتهاكات حقوق الانسان ثم الكذب للتبرير: صدام حسين وبنيامين نتنياهو. وقد يظن القارئ أن لا وجه للمقارنة بين رئيس عربي أُعدم بجرائم عدة لإبادة شعبه بعد حكم دموي دام لأكثر من ثلاثة عقود، وبين زعيم صهيوني ما زال يتنفس في مقعد السلطة.
لكن حين نُنصت إلى نبرة التصريحات، ونتمعن في خطابات الطغاة حين يتوحشون، تنكشف الوجوه وتتقاطع الأقدار. ففي الأيام الأخيرة من حكم صدام، كان الإعلام يتغنى ببطولات (القائد الضرورة)، في وقت كانت صواريخ العدو تسقط على مشارف بغداد. القصائد تنشد المجد، بينما الجنود يتساقطون، كان يصرخ: سندحرهم!، وما دُحر إلا هو.
في المقابل يخرج نتنياهو هذه الأيام متوشحاً بخطاب النصر، يتحدث عن الإبادة الدقيقة! والضربة الساحقة! والنصر القريب!، وهو يعلم في قرارة نفسه ان غزة الصغيرة بمساحتها والمحاصرة من جميع الاتجاهات، والان ايران المحاصرة من عام 1978 والمعتمدة على نفسها في تمويل نفسها أسقطت هيبة جيش ظل يسوق كأقوى جيوش المنطقة! كلاهما كان يخاطب الوهم لا الشعب، وكأنهما يقفان أمام مرآة، لا منبر.
كلاهما استغل الأزمة وركب على ظهر الدم، صدام حول الحرب إلى ماكنة أو آلة لتمجيد الذات، وجعل من شعبه وقود لمعركة شخصية. كل حرب كانت انانيته اشعلتها، وكل حصار كان ثمنه رغيف الفقير وصحة الطفل وسكون الشيخ.
نتنياهو وبكل دهاء، استثمر الحرب ليهرب من محاكم الفساد والابادة وليرتق ثوبه السياسي الممزق في الداخل، فقاد حربا على غزة ولبنان وسوريا واليمن والان إيران، ولاحقا مصر والعراق، لا يُعرف مكره وما يضمره غروره الذي أغرق الكيان الغاصب في وحلٍ أخلاقي عالمي، ليعزله عن العالم.
كما قيل عن الطغاة: ((إذا اشتدت وطأة السؤال بحثوا عن معركة))، وفي عهد صدام، كان التلفزيون الرسمي يرسم ملاحم بطولية، ويبث صور الانتصار، بينما الأسرى يتكدسون، والخراب يعم المدن. اليوم يعاد المشهد مع إعلام الاحتلال، يخفي الحقيقة، يُعقم الجريمة، ويمنح نتنياهو عباءة المدافع!، برغم أن كل شبر في غزة ولبنان واليمن يشهد على وحشية المحتل.
هكذا كان الإعلام أداة طمس لا كشف، يستر الخوف بصوت عال، ويحول الجلاد إلى بطل. فلم يسقط صدام لأن العدو قوي، لا، بل لأنه فصل نفسه عن شعبه، واستغنى بعنجهيته عن المحاسبة.
ولن يسقط نتنياهو بيد المقاومة فحسب، بل ستأكله أزمات الداخل والانقسامات والغضب الشعبي من الصهاينة من شعبه، فقدان الثقة وصورة الكيان الصهيوني التي تسقط أخلاقيا أمام العالم الغربي المغشوش امام البروباغاندا لكيان الاحتلال.
هناك أوجه شبه في الصورة الإعلامية لصدام ونتنياهو هي:
اولا: الخطاب البطولي المنفصل عن الواقع: فكلاهما يستعمل خطاباً مفعماً بالتحدي والوعيد، وكأنه يقف على أبواب النصر، بينما الواقع العسكري الميداني أو السياسي يكون منهاراً. اذ كان صدام حسين يتحدث عن سحق الجيوش الغازية حتى وهو محاصر في بغداد. فيما نتنياهو وسط انهيار القبة الحديدية وضربه في العمق لا يزال يتحدث عن (النصر الحتمي) و(تدمير حماس) (سحق قدرات إيران) (هزيمة الحوثيين) (اضعاف حزب الله) بغرور، ووسط فشل أمني وأخلاقي وإنساني في غزة، كأنه في ساحة انتصار عسكري متكافئ.
صدق أمير المؤمنين عليه السلام حين قال: “وَإِنَّ البَاطِلَ لَيَفْزَعُ مِنْ حَقٍّ يُصِيبُهُ، وَيَسْتَكْبِرُ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُ غَالِبٌ”. فكلاهما – نتنياهو وصدام – أرادا أن يخيل للناس أن الغلبة لهم، في حين أن الأرض تنسحب من تحت أقدامهم.
ثانيا: اللعب على أوتار العاطفة القومية/الدينية: صدام كان يقدم نفسه بوصفه (حامي البوابة الشرقية) و(بطل العروبة)، ليتستر على حروبه العبثية وجرائمه ضد شعبه. ويستعمل نتنياهو الخطاب الديني التوراتي والتاريخي ليبرر مجازره، وكأنه نبيّ مرسل، لا مجرد محتل مدجج بالسلاح.
ثالثا: استغلال الأزمة للبقاء في الحكم: صدام استخدم الحروب كوسيلة لحشد الشعب وإسكات المعارضين، ويستخدم نتنياهو الحرب على غزة سابقاً، وايران حالياً لتعطيل محاكمته وتفادي السقوط السياسي، ويزج بالدم اليهودي ليحمي كرسيه، لا ليحمي الشعب.
رابعا: إنكار الفشل وتزييف الحقائق: كان الإعلام الرسمي في عهد صدام يتحدث عن أن (العدو يندحر) وهو يقترب من بغداد. يكذب نتنياهو ويضلل، ووسائل الإعلام الصهيونية معه، تصور الموت والدمار والحرب كضرورة أخلاقية و(معركة وجود!!)، وهي أبشع صور الإبادة والاجرام.
ختاماً اقول من يحكم بالوهم، يسقط بالواقع ومن يراهن على دماء الأبرياء ليحفظ منصبه، كلاهما استغلتهم امريكا لتحقيق هيمنتها ومصالحها، وهي من ستتركهم لحتفهم بأسباب السماء وقانون العدل الالهي الذي سيطالهم في الدنيا قبل الاخرة وهي الاعظم الادهى. حتى وإن اختلفت الأسماء، فإن التاريخ يدون السلوك، لا المسمى، صدام حسين سقط من قصره، ونتنياهو سيسقط بعاره، وفي كلا الحالتين، الطغيان لا يعيش طويلًا وإن عاش لا ينتصر، بل الى مزبلة التاريخ.

