بين التطور الذي يُيسّر… والتطور الذي يُهمّش بقلم القانوني احمد الشمري

ليس كل تطورٍ يُعدُّ تقدماً، فالفارق بينهما يكمن في الغاية التي يخدمها، لا في الوسائل التي يستخدمها. فالتطور الحقيقي هو الذي يُعزز قيمة الإنسان، ويُرسخ مبادئ العدالة، ويجعل الحقوق أكثر يسراً في الوصول إليها، أما التطور الذي يُقصي الإنسان أو يُفرغ المؤسسات من رسالتها، فهو وإن بدا متقدماً في شكله، إلا أنه متخلف في جوهره.
إن فلسفة القانون قامت على أن تكون الوسائل في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان أسيراً لها. ومن هذا المنطلق، فإن أي تطور تقني أو إداري أو تشريعي يجب أن يُقاس بمدى احترامه للكرامة الإنسانية، وضمانه للمساواة، وحفاظه على حق الأفراد في الوصول إلى العدالة دون تمييز أو إقصاء.
التطور الذي يُيسّر هو ذلك الذي يختصر الإجراءات دون أن يختصر الحقوق، ويُسرّع الفصل في المعاملات دون أن يُخل بضمانات التقاضي، ويُوظف التكنولوجيا لتكون أداةً لخدمة الإنسان، لا بديلاً عن ضميره أو اجتهاده. إنه تطورٌ يجعل القانون أكثر قرباً من المواطن، والإدارة أكثر كفاءة، والمؤسسات أكثر شفافية.
أما التطور الذي يُهمّش فهو الذي يُنتج طبقةً من المستبعدين، ويجعل التقنية حاجزاً بدلاً من أن تكون جسراً، ويُقاس فيه النجاح بسرعة الإنجاز لا بعدالته، وبوفرة البيانات لا بحماية الحقوق. إنه تطور قد يرفع مؤشرات الأداء، لكنه يُخفض قيمة الإنسان، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، ويُحوّل العدالة إلى إجراءات جامدة تفتقر إلى روحها.
وفي ميدان القانون، لا يكفي أن تكون الأنظمة حديثة، بل يجب أن تكون عادلة. فلا قيمة لرقمنة الإجراءات إذا كانت تُصعّب وصول الضعفاء إلى حقوقهم، ولا جدوى من الذكاء الاصطناعي إذا أصبح بديلاً عن الضمير القضائي أو الاجتهاد القانوني. فالتقنية لا تُحقق العدالة بذاتها، وإنما تُصبح عادلة عندما تُدار بعقلٍ قانوني، ورقابةٍ مؤسسية، وأخلاقٍ مهنية.
إن الحضارة لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات، بل بما تحفظه من حقوق. والتطور الذي يستحق الاحترام هو ذلك الذي يُضيف إلى الإنسان قيمةً، لا أن ينتزع منه دوره، ويُعزز كرامته، لا أن يُهمّش وجوده.
فالإنسان هو غاية القانون، وغاية الدولة، وغاية كل تطور. وما خرج عن هذه الغاية، وإن سُمّي تطوراً، فهو في حقيقته صورةٌ أخرى من صور التهميش.

