من تغيير الوجوه إلى بناء الدولة نهضة جديدة لحكومة الزيدي.. عندما يصبح الأداء عنوان المرحلة بقلم: رشيد الشمري

ليس التحدي الحقيقي أمام أي حكومة جديدة في العراق أن تغيّر عدداً من المسؤولين، ولا أن تستبدل أسماء بأسماء، بل أن تمتلك القدرة على تغيير قواعد العمل نفسها. ومن هنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية أمام حكومة السيد علي الزيدي: هل يكون التغيير مجرد حركة داخل الهيكل الإداري، أم يتحول إلى مشروع لبناء دولة تعمل بمنطق النتائج والكفاءة والمساءلة؟ العراق لا يحتاج إلى حكومة تدير الملفات بالطريقة ذاتها التي أُديرت بها خلال السنوات الماضية، وإنما يحتاج إلى مدرسة جديدة في الحكم والإدارة؛ مدرسة تقيس المسؤول بما أنجزه، والمؤسسة بما قدمته للمواطن، والخطة بما حققته على أرض الواقع.
وتقدم تجربة سنغافورة درساً مهماً في هذا المجال، إذ ارتكز بناء الخدمة العامة فيها على مبادئ الجدارة والنزاهة والكفاءة، مع تطوير الكفاءات وإعداد القيادات القادرة على تحمل المسؤولية. والدرس الذي يمكن للعراق الاستفادة منه ليس استنساخ النموذج السنغافوري، فلكل دولة ظروفها، وإنما فهم الفكرة الأساسية: الدولة القوية تحتاج إلى مؤسسات تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ثم تقيس أداءه بما ينجزه. فلا يكفي أن يمتلك المسؤول سنوات طويلة من الخبرة؛ السؤال الأهم هو: ماذا حقق بهذه الخبرة؟ وماذا تغير في المؤسسة التي يديرها؟
أما رواندا، فقد طورت منذ عام 2006 نظاماً يعرف باسم Imihigo، وهي كلمة رواندية تعني في جوهرها التعهد بتحقيق أهداف ونتائج محددة. وتقوم الفكرة على أن يحدد المسؤول أو المؤسسة ما الذي سيتحقق خلال فترة زمنية معينة، ثم تتم متابعة التنفيذ وقياس النتائج ومقارنتها بما تم التعهد به. وبمعنى أبسط، لا يُسأل المسؤول في نهاية المدة: ماذا خططت؟ وإنما: ماذا أنجزت؟ كم مشروعاً اكتمل؟ كم مشروعاً تأخر؟ ما نسبة الإنجاز؟ هل تحسنت الخدمة؟ كم من الوقت والمال تم توفيره؟ وما النتائج التي تحققت للمواطن؟ وهنا تكمن الفكرة التي يمكن للعراق الاستفادة منها: أن يتحول برنامج المسؤول من وعود عامة إلى أهداف معلنة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومراجعة دورية للنتائج. فإذا تعهد وزير أو محافظ أو رئيس مؤسسة بإنجاز مجموعة من المشاريع خلال عام، يصبح الإنجاز الفعلي أساساً لتقييم أدائه، وليس عدد القرارات التي أصدرها أو الاجتماعات التي عقدها. وهذا هو جوهر Imihigo: الانتقال من إدارة المسؤول بالانطباع إلى تقييمه بالنتائج.
لكن العراق لا يحتاج إلى نسخة من سنغافورة أو رواندا، فالمطلوب ليس نقل تجربة أجنبية إلى بغداد، وإنما الاستفادة من الأفكار التي يمكن أن تنسجم مع خصوصية الدولة العراقية. العراق يمتلك الموارد البشرية والطبيعية والمالية، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى نظام عمل مؤسسي مستدام لا يعتمد على شخصية المسؤول وحدها. ومن هنا، فإن النهضة الجديدة التي يمكن أن تحملها حكومة الزيدي ينبغي أن تقوم على حكومة أهداف واضحة، بحيث تمتلك كل وزارة وهيئة ومؤسسة أهدافاً قابلة للقياس، يعرف المواطن قبل المسؤول ما الذي تحقق منها، وعلى حكومة كفاءة يرتبط فيها الموقع الإداري بالقدرة على الإنجاز، مع فتح المجال أمام الكفاءات وأصحاب الاختصاص والطاقات الشابة، وعلى حكومة مساءلة لا يكون فيها التقييم مرتبطاً بنهاية السنة فقط، بل تكون هناك متابعة مستمرة تكشف النجاح والتعثر في الوقت المناسب، فضلاً عن حكومة مستقبل لا تبحث فقط عمن يدير الحاضر، بل تبني صفاً ثانياً وثالثاً من القيادات القادرة على مواصلة العمل.
ومن الخطأ اختزال الإصلاح الإداري في تغيير أسماء بعينها؛ فالمشكلة الأعمق هي النظام الذي يسمح للمؤسسة بالاستمرار دون أن يكون الإنجاز معياراً واضحاً للحكم على أدائها. قد يتغير الوزير ويبقى النظام نفسه، وقد يتغير المدير ويبقى الأسلوب ذاته، وقد تتغير العناوين بينما تبقى المشكلة في مكانها. لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة ليس عدد المسؤولين الذين تم تغييرهم، وإنما عدد المؤسسات التي تغير أداؤها بعد التغيير.
لقد عاش العراق سنوات طويلة وهو يتعامل مع الأزمات بعد وقوعها: الكهرباء، والسكن، والخدمات، والبطالة، والبنى التحتية، والاقتصاد والإدارة. لكن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبقى في حالة استجابة دائمة، فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى حكومة تتوقع المشكلة قبل وقوعها، وتضع السيناريوهات، وتستخدم البيانات والتكنولوجيا، وتربط الإنفاق العام بالنتائج. وهنا تكمن فرصة حكومة الزيدي: الانتقال من مجرد تغيير المسؤولين إلى تغيير فلسفة الدولة في الإدارة. فالنهضة لا تبدأ عندما نعلن أن الحكومة جديدة، وإنما عندما يشعر المواطن أن المؤسسة التي يراجعها أصبحت أكثر سرعة وكفاءة، وأن المشروع الذي ينتظره انتقل من الوعود إلى الإنجاز.
وإذا أرادت حكومة الزيدي أن تترك أثراً يتجاوز عمرها السياسي، فإن عليها أن تجعل عنوان المرحلة: «المسؤولية تقاس بالنتائج». وهذا لا يعني أن كل قديم سيئ، أو أن كل جديد أفضل، وإنما يعني أن المعيار يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز وخدمة المصلحة العامة. فالخبرة قيمة، لكنها تصبح ميزة حقيقية عندما تتحول إلى نتائج، والشباب عنصر مهم في بناء الدولة، لكن وجودهم في المواقع لا يكفي ما لم يقترن بالمعرفة والقدرة، والخطط ضرورية، لكنها تفقد قيمتها إذا بقيت على الورق.
إن النهضة العراقية المقبلة لا تحتاج إلى «زلزال أسماء» بقدر ما تحتاج إلى زلزال في طريقة التفكير الإداري. سنغافورة قدمت تجربة في بناء الخدمة العامة على الجدارة والكفاءة، ورواندا قدمت تجربة في ربط المسؤول والمؤسسة بأهداف قابلة للقياس والتقييم. أما العراق، فليس مطلوباً منه أن يكون سنغافورة أو رواندا، وإنما المطلوب أن يكون عراقاً أكثر كفاءة من عراق الأمس. وهنا سيكون التحدي الحقيقي أمام حكومة الزيدي: ليس كم اسماً ستغيّر، وإنما كم مؤسسة ستجعلها تعمل بصورة مختلفة؟ وليس كم قراراً ستصدر، وإنما كم قراراً سيتحول إلى إنجاز يراه المواطن؟ وليس كم مسؤولاً ستعيّن، وإنما هل تستطيع بناء دولة لا تتوقف كفاءتها على أسماء المسؤولين؟ فإذا استطاعت الحكومة الانتقال من إدارة الأشخاص إلى إدارة الأداء، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن التعيين التقليدي إلى الجدارة، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، فحينها يمكن الحديث عن نهضة جديدة، لا عن حكومة جديدة فقط.
رشيد الشمري
كاتب وصحفي

