وكالة اخبار وطن
وكالة عراقية مستقلة

“حين يتحوّل الفساد إلى ثقافة: المأساة العراقية التي تستبيح القيم”

  • 275 مشاهدة
  • يوليو 22, 2025

 

بقلم: حسن درباش العامري

 

في البلدان التي تعاني من الفساد، تُصبح المعركة ضد هذا الداء معركة وجود، لا مجرد مسألة إدارية أو قانونية. لكن في العراق، تجاوز الفساد حدود كونه ظاهرةً مؤقتة أو سلوكًا فرديًّا شاذًا؛ لقد تحوّل إلى ما يشبه الثقافة الاجتماعية العامة، وثُبّت كجزء من نظام يومي يفرض نفسه على المواطن والمسؤول معًا، حتى بات العراقي يُسائل نفسه ـ بمرارة ـ: هل الديمقراطية تعني بالضرورة أن أكون فاسدًا كي أعيش؟

 

لا تكاد تدخل دائرة حكومية – أيًّا كان نوعها – دون أن تصطدم بمن يطلب منك رشوة بشكل مباشر أو موارب، أو يساومك على حقك مقابل ثمن. من مكاتب المرور والضريبة والبلديات، إلى الجامعات والمؤسسات القضائية التي يفترض أنها حارسة للقانون… الكل يعزف اللحن ذاته: ادفعْ كي تمرّ.

 

لقد أصبح الفساد في العراق سلوكًا طبيعيًا يُمارَس علنًا، لا يختبئ خلف الأبواب ولا يخجل من أعين الناس. الأخطر من ذلك أنه يُمارَس تحت غطاء من الصمت الجمعي، في مجتمع انهكته سنوات من الحرب والحصار والمحاصصة والطائفية، حتى بات كثيرون يعتبرونه أمرًا واقعًا لا مهرب منه، أو حتى وسيلة “مشروعة” للبقاء والاستمرار.

 

وما يُؤلم حقًا، ليس ما يُدفع من أموال أو ما يُهدَر من ميزانيات، بل ما يُنتَزع قسرًا من قيم المجتمع وثوابته الدينية والأخلاقية والثقافية. الفساد لا يصادر المال فقط، بل يُصادر الضمير. يجبرك – بقوة العرف السائد – أن تساوم على ما تؤمن به، أن تتنازل عن مبادئك، وأن تتعايش مع الباطل كأنه ضرورة حياتية.

 

في بلد مثل العراق، حين تتقدم شركة رصينة بعرض لبناء ميناء أو جسر أو محطة طاقة بكلفة منطقية، تُقصى هذه الشركة فورًا لصالح أخرى مشبوهة تُقدّم عرضًا مضاعفًا بعشر مرات، فقط لأنها تدفع العمولات وتحظى برضا “الجهة النافذة”. هذه ليست نكتة سوداء أو سردية إعلامية، بل واقع معاش يتكرر يوميًا.

 

المشكلة الأعقد أن من يُفترض به أن يُنكر هذا الواقع، أصبح جزءًا منه، أو صامتًا عنه خوفًا أو مصلحة. حتى المواطن العادي، الذي كان ضحية بالأمس، بات متواطئًا اليوم؛ إما لليأس أو لحاجته أو لاعتقاده بأن لا طريق آخر.

 

في النهاية، لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يواجه هذه الثقافة الفاسدة من جذورها. ليست القوانين وحدها هي الحل، بل نحتاج إلى ثورة ضمير، تبدأ من أصغر موظف وتنتهي بأعلى رأس في الدولة. نحتاج إلى إعلام حر، وقضاء نزيه، ومجتمع يرفض التطبيع مع الفساد.

 

لعل أقسى ما يمكن أن يحدث لأمة، هو أن يتحوّل الحرام إلى عرف، والخطأ إلى قاعدة، والفاسد إلى قدوة. عندها لن تنفع أي دساتير، ولن تجدي أي انتخابات.

أخبار مشابهة

نائب رئيس مجلس النواب، يبحث مع تحالف العزم، دعم المؤسسات الدستورية وتعزيز الإستقرار في البلاد

.بهدف مد جسور التعاون بين القوى السياسية وإستمرار اللقاءات والحوارات، إلتقى نائب رئيس مجلس...

اللجنة المالية النيابية تخاطب وزارة المالية لضمان صرف مستحقات المشمولين بملف (19) ومتظاهري الإمام الصادق

  وجّه رئيس اللجنة المالية النيابية، المهندس عدي عواد التميمي، كتاباً رسمياً إلى وزارة...

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان

'