استقلال القضاء… إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء الدستوري الحديث.

سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث سياسي
يقف العراق اليوم أمام مرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات السياسية مع الحاجة الملحّة إلى مؤسسات قوية قادرة على تعزيز استقرار الدولة وترسيخ ثقة المجتمع. وفي خضم هذا المشهد المتداخل، يعود القضاء إلى الواجهة مرة أخرى، ليس بوصفه طرفًا في الجدل الدائر، بل باعتباره إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء الدستوري الحديث.
لقد شهدت الساحة الإعلامية في الأيام الماضية استهدافاً واسعًا لمجلس القضاء الأعلى ودوره في إدارة الملفات الحساسة. ومع أن النقد الموضوعي حق مكفول في الأنظمة الديمقراطية، فإن حساسية موقع القضاء تستدعي أن يجري هذا النقاش ضمن حدود تحافظ على استقلال المؤسسة، وتحول دون تحويل الخلافات السياسية إلى ضغوط غير مباشرة على سلطة يُفترض بها أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع.
إنّ الإطار الدستوري الذي ينظّم عمل القضاء يمثل ضمانة حقيقية لاستمرار دوره بعيدًا عن التأثيرات العابرة. فالإجراءات الخاصة بقيادته وصلاحياته تخضع لقواعد واضحة، ما يسمح له بأداء مهامه بثبات، ويمنحه القدرة على الحفاظ على مكانته كحكم نزيه بين الأطراف المتنافسة، لا كفاعل ضمن معادلات السياسة اليومية.
ورغم التحديات، ما تزال المؤسسة القضائية تتمتع برصيد من الثقة المجتمعية، وهي ثقة لا ينبغي التفريط بها في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى كل عنصر استقرار. فالمساس بهذه الثقة، أو زعزعة صورة القضاء، لا يضر بالمؤسسة وحدها، بل ينعكس على مجمل المشهد الوطني، ويعمّق هشاشة التوازنات القائمة.
إن المسؤولية اليوم مشتركة: القضاء مطالب بأن يواصل أداءه المستقل والمتزن، والقوى السياسية والإعلامية مطالبة بدعم هذا الاستقلال عبر خطاب مسؤول يحفظ هيبة المؤسسات ويعزز قواعد الدولة. فبدون قضاء قوي ومحايد، لا يمكن لأي مشروع إصلاح أو استقرار أن يجد طريقه إلى التنفيذ.
إنّ استقلال القضاء ليس قضية لحظة، ولا موضوعًا ظرفيًا، بل هو أساس من أسس الدولة الحديثة. وحمايته ليست خيارًا إضافيًا، بل ضرورة لضمان مستقبل أكثر تماسكًا وعدالة للعراق
