الوطنية على القياس الطائفي: لماذا يباح التضامن للجميع ويحرم على الشيعة؟

لم يكن مشهد زوجة رئيس الجمهورية العراقية وهي تضع على صدرها صورة مقاتلة كردية من قوات قسد قيل إنها أعدمت على يد قوات الجولاني خلال معارك حلب
مجرد تصرف رمزي عابر بل تعبيرا صارخا عن معيار سياسي مختل بات مألوفا في العراق
في هذا البلد لا تقاس الوطنية بمبدأ واحد
بل تفصل وفق الهوية
يسمح للكردي العراقي أن يتضامن مع أكراد الإقليم والعالم متجاوزا حدود سايكس بيكو من دون أن يتهم بالانفصال أو الخيانة. ويسمح للسني العراقي أن يعلن تضامنه مع سنة العالم حتى حين يكون بعضهم غارقا في التكفير والعنف ما دام الخصم شيعيا.
أما الشيعي العراقي فله رواية مختلفة تماما. يكفي أن يظهر تعاطفا مع شيعة المنطقة أو أن يقف سياسيا أو أخلاقيا مع إيران حتى تفتح عليه أبواب التخوين ويوصف بالذيل والتابع والمرتهن للخارج وكأن الشيعة وحدهم ممنوعون من امتلاك امتدا أو من الشعور بالانتماء إلى قضية تتجاوز حدود الجغرافيا المصطنعة.
الأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية لم تعد رأيا هامشيا بل تحولت إلى خطاب سياسي وإعلامي ممنهج هدفه الواضح عزل الشيعة عن بعضهم وتجريدهم من أي عمق إقليمي أو عقدي تمهيدا لإضعافهم ثم استباحتهم. تمنح المظلومية لغيرهم بسخاء بينما يجرم الشيعي حتى في إحساسه بالخطر.
هكذا تعاد صياغة مفهوم الوطنية:
ليست حماية للسيادة ولا دفاعا عن الدولة بل أداة إقصاء وانتقاء وطنية تسمح بالتضامن العابر للحدود حين يكون كرديا أو سنيا وتتحول إلى تهمة عمالة حين يكون شيعيا وطنية لا ترى في دم الشيعي قضية بل عبئا سياسيا يجب التخلص منه.
إن أخطر ما يجري اليوم ليس اختلاف المواقف، بل فرض تعريف أحادي للوطنية يُستخدم كسلاح ناعم لعزل مكوّن أساسي من الشعب، ثم تبرير استهدافه سياسيًا وإعلاميًا، وربما أمنيًا، تحت شعارات دينية ووطنية زائفة. وعندما تُبنى الوطنية على الكراهية الانتقائية، فإنها لا تحمي الدولة، بل تهيئ لانفجارها من الداخل
