الضغط الأميركي وإرباك القرار السياسي العراقي

سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث بالشأن السياسي
لم تكن تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرافضة لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية موقفاً عابراً أو انفعالاً سياسياً لحظياً، بل جاءت كحلقة أخيرة في مسار ضغط أميركي متدرّج أعاد طرح سؤال السيادة العراقية بصيغته الأكثر حساسية. فقد انتقل الموقف الأميركي من حيز الرسائل المغلقة إلى فيتو علني، خاطب صناع القرار العراقيين بمنطق المشروطية الصريحة: لا دعم أميركياً في حال عودة المالكي. عند هذه النقطة، لم يعد بالإمكان التعامل مع هذا الموقف بوصفه تدخلاً يمكن احتواؤه، بل كعامل ضاغط يفرض حساباته بوضوح على مسار تشكيل الحكومة.
في المقابل، يكشف الإصرار على ترشيح المالكي، رغم هذا المناخ الإقليمي والدولي المعقّد، خللاً في إدارة اللحظة السياسية. فالتحدي مع الخارج، مهما كانت دوافعه وشعاراته، لا يمكن فصله عن حسابات الدولة ومصالحها العليا. والمضي في هذا الخيار يبدو محفوفاً بالمخاطر، وقد يفتح الباب أمام تصعيد أميركي سياسي واقتصادي، وربما إعادة فرض عقوبات تطال شخصيات نافذة، بما يضع البلاد أمام مواجهة غير محسوبة العواقب.
وبحسب القراءة الواقعية للمشهد، بات الإطار التنسيقي أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول يتمثل في الاستمرار بترشيح المالكي، وهو مسار تصادمي قد يفاقم الضغوط الخارجية ويعمّق الانقسام الداخلي داخل الإطار نفسه. أما السيناريو الثاني، فيقوم على تراجع هادئ ومدروس عبر تقديم مرشح توافقي يحظى بقبول داخلي ولا يواجه فيتو أميركياً أو إقليمياً، وهو الخيار الأكثر ترجيحاً، ليس لأنه الأسهل سياسياً، بل لأنه الأقل كلفة على استقرار الدولة. فيما يكمن السيناريو الثالث في المماطلة وكسب الوقت بانتظار تغير المعطيات أو تخفيف حدّة الموقف الأميركي، غير أن هذا الخيار يهدد بإطالة أمد الفراغ السياسي وتعميق حالة الشلل الحكومي.
وفي خضم هذا المأزق، برزت بكياسة سياسية واضحة وثابتة مواقف المعترضين من داخل الإطار على الاستعجال في إعلان ترشيح المالكي، في محاولة لتجنيب الإطار حرجاً سياسياً لا يمكن تجاهله. وهذه المواقف لا يمكن قراءتها بوصفها خلافاً شخصياً أو تنافساً داخلياً، بل تعكس خبرة سياسية تسعى إلى تفادي إحراج داخلي وخارجي في آن واحد. فالمشكلة، في جوهرها، لم تكن رفضاً لشخص بقدر ما كانت تعبيراً عن عدم رضا إقليمي ودولي، من شأنه إرباك القرار السياسي وفتح شرخ داخلي قد يهدد تماسك الإطار وبنيته السياسية.
وفي مقابل الخطاب الرافض للتدخل الأميركي والدعوات إلى التظاهر دفاعاً عن السيادة، بدا الشارع العراقي أقل حماسة للدخول في مواجهة جديدة. فالمواطن المنهك بالأزمات المعيشية والاقتصادية لا يعنيه كثيراً من ينتصر في صراع النفوذ، بقدر ما يعنيه وجود حكومة قادرة على إدارة الاقتصاد، وتقديم الخدمات، ومنع الانزلاق إلى عزلة دولية جديدة.
في المحصلة، لا تُقاس السيادة بالشعارات ولا بالمواقف الانفعالية، بل بقدرة الدولة على تحمّل كلفة قرارها. وما لم تدرك القوى السياسية أن اختيار رئيس الوزراء يجب أن يكون نتاج قراءة متوازنة للداخل والخارج معاً، فإن العراق سيبقى يدور في حلقة التسويات المفروضة، وسيظل كل استحقاق حكومي اختباراً جديداً لحدود قراره الوطني
