التاريخ أمانة الوطن… والتضحية مسؤولية الوعي

سلام جاسم الطائي
باحث بالشان السياسي
لن نسمح بالتلاعب بالتاريخ أو تشويه الحقائق أو طمس صور التضحية ونكران الذات، ولن نقبل أن تتحول دماء الشهداء إلى مادة للتأويل أو أداة في صراعات آنية. فالتاريخ ليس نصاً مفتوحاً لإعادة الكتابة وفق الأهواء، ولا ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بل هو ذاكرة وطن وضمير شعب، ومن يعبث به إنما يعبث بأسس الهوية الوطنية وبحق الأجيال القادمة في أن تعرف ما جرى كما جرى.
حين تمدّد تنظيم داعش الارهابي في عام 2014، واقترب الخطر من بعداد العاصمة لم يكن المشهد قابلاً للتأجيل أو المساومة. لم تكن السياسة هي الحاضرة في الأذهان، ولا كانت الحسابات الضيقة هي التي تحكم القرار، بل كان السؤال وجودياً كيف نحمي العراق وكيف ندافع عن الدين والمقدسات وكيف نمنع سقوط الدولة في فوضى الارهاب وكيف نرد احلام البعث اعادة عقارب الساعة الى الوراء وإسقاط التجربة الديمقراطية التي تاسست بعد سقوط ام 2003 في تلك اللحظة، تقدّمت الإرادة العقائدية الوطنية على كل اعتبار، وارتفعت قيمة الواجب فوق كل انتماء فرعي فكان اهل الحق العنوان والعنفوان والشرف والكرامة
وجاءت فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها سماحة السيد السيستاني لتكون نقطة تحوّل مفصلية، أعادت تنظيم طاقة المجتمع ووجّهتها نحو هدفٍ واحدالدفاع عن الوطن وصون كرامته. فكانت الاستجابة واسعة، وامتزجت مشاعر الإيمان بالمسؤولية، ليتحوّل النداء إلى فعل، والفعل إلى ملحمة وطنية شارك فيها أبناء العراق بمختلف انتماءاتهم، تحت راية الدفاع عن الدولة ووحدتها.
لقد رسم اهل الحق صفحات النصر بدماء الشهداء، وانين الحرحى ولم يكن ما تحقق من استعادة للأرض واستقرار للمؤسسات منّة من أحد، بل ثمرة تضحيات جسام قدّمها رجال آمنوا بأن الوطن أمانة، وأن لحظة الخطر لا تحتمل التردد. ومن الإجحاف أن تُختزل تلك المرحلة في سرديات مبتورة أو قراءات انتقائية تحاول إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم مصالح عابرة. فالإنصاف يقتضي وضع الوقائع في سياقها الكامل، والاعتراف بأن ما جرى كان صورة مشرفة رسمها رجال كانت ارواحهم تتقدم الجميع دفاعاً عن العراق بكل مكوّناته، ليعيد الازدهار والاستقرار والانتصار لأبنائه
إن الوفاء لتضحيات الشهداء والتي يجب ان لاتخضع للتشويه أن نحمي المنجز الذي تحقق، وأن نحول تلك التجربة إلى رصيد أخلاقي يُلهم الحاضر ويحصّن المستقبل.
كنا ولا نزال أهل الحق الصادقون بالمواقف حين استُدعي الواجب، وسنبقى على العهد ما بقي فينا نفس يحرس الوطن ويحفظ مقدساته. لأن الحق لا يُقاس بحسابات السياسة المتغيرة، بل يُقاس بصدق الانتماء ساعة الشدة، وبالاستعداد للتضحية حين يكون العراق في مواجهة مصيرٍ مفصلي. هكذا يُصان التاريخ، وهكذا تُحفظ التضحيات .
