وكالة اخبار وطن
وكالة عراقية مستقلة

المخيال الجنسي، وحكايات الفساد العراقي!… فلاح المشعل

  • 69 مشاهدة
  • يوليو 10, 2026

لم يسبق، في تاريخ الدول وأنظمتها السياسية، أن شهد العالم نموذجًا من الفساد المنظم كالذي شهده العراق، نهبٌ ممنهج لأموال الدولة، يمارسه المسؤولون أنفسهم، وزراء، ونواب، ورؤساء، ومن هم في قمة هرم السلطة.
مثل هذا المشهد كان كفيلًا، في أي بلد آخر، بإشعال ثورة شعبية عارمة لا تُبقي ولا تذر، تنتهي بمحاسبة الفاسدين واقتيادهم إلى ساحات العدالة. لكن ما يدعو إلى الحيرة واليأس أن حملة ملاحقة الفاسدين، وسجنهم، واسترداد جزء من الأموال المنهوبة، لم تتحول إلى لحظة وعي شعبي تفضي إلى ثورة على منظومة الفساد نفسها، بل إن بعض الجماعات خرجت لتأييد الإجراءات الحكومية، ثم انصرف الاهتمام سريعًا إلى صورة “الستيان ” ولباس داخلي ذهبي نُسب إلى نائبة!
قد تكون الصورة مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد تكون حقيقية؛ لكن السؤال ليس في صحة الصورة أو زيفها، بل في سبب استحواذها على اهتمام الرأي العام، بينما تُهمل الأسئلة المصيرية المتعلقة بمستقبل البلاد وانهيار النظام السياسي القائم على اللصوصية المنظمة.
كيف تحولت الأنظار من ضياع أكثر من عشرين عامًا من عمر الدولة، ومن نهب مئات مليارات الدولارات التي كان يفترض أن تكون رصيدًا لبناء العراق وتنميته لعقود مقبلة، إلى جدلٍ حول قطعة ملابس؟ وماذا ينتظر ملايين العاطلين عن العمل، ووطنًا أُفرغت خزائنه، ونُهبت أصوله، واستُنزفت موارده حتى أوشك على الإفلاس؟
لقد تُركت أسئلة الحياة والمستقبل والعدالة، وانشغل الناس بصور، حقيقية كانت أم وهمية، أيقظت المخيال الجنسي أكثر مما أيقظت الضمير الوطني. شخصيات جاءت من الهامش لتستولي على مفاصل الدولة، وتحتكر القرار والمال العام إلى حدود الجنون، فإذا بصورة الستيان ولباس داخلي ذهبي تصبح الحدث الأبرز، في تجسيدٍ لمقولة”صدّق أو لا تصدّق”.
إن الموروث الثقافي المرتبط بالجنس والكبت، بعد أن اختلط بثقافة التحريم والنظرة الاختزالية إلى المرأة، وهي نظرة كرستها الشعبوية الإسلاموية وخطاباتها وتشريعاتها، جعل من موضوع “اللباس والستيان” قضيةً تستأثر بالاهتمام العام، بينما جرى تهميش الجريمة الحقيقية، خيانة الطبقة السياسية ونهبها المنظم للمال العام.
صورٌ عن ملابس داخلية، وأخرى عن خيول، وثالثة عن أكوام من ملايين الدولارات المدفونة في المقابر والمزارع والبيوت، مشاهد أُخرجت للرأي العام بإتقان، ففتحت أبواب المخيال الجنسي، واستثارت مكبوتات الذاكرة أكثر مما استثارت الغضب على الفساد.
أما صور الأموال المكدسة، فقد منحت الناس لحظة دهشة عابرة، أزاحت الإحساس بالفقر والإفلاس، وأغرقتهم في متابعة المشهد، بينما تراجع الإحساس بانهيار القيم الأخلاقية، وتفكك الدولة، وانحلال مؤسساتها. بل إنها ولّدت ردود أفعال دفاعية عن تلك الصور عبر لقاءات تلفزيونية مع شخصيات مدجنة أو مؤتمرات لبعض المتهمين بالفساد أيضاً، ليبقى الاهتمام حبيس سطح الحدث، بعيدًا عن جوهره.
والحقيقة أن قادة العملية السياسية، الذين رعوا منظومة الفساد والنهب والاستيلاء على أراضي الدولة وأموالها، لا يمانعون حملات مكافحة الفساد، بل يؤيدوها، ما دامت تبقى ضمن حدود العرض الإعلامي، ومغازلة خيال الجائعين، واصطياد صغار اللصوص، واسترداد بضعة ملايين أو مليارات، من دون الاقتراب من أصل الداء ، نظام سياسي متفسخ، ودولة فقدت مركزيتها، وقانون فقد هيبته، ومؤسسات أُفرغت من معناها.
وهكذا ضاع جوهر القضية بين صورٍ وهمية وملابس داخلية، فيما انشغل الناس بمتابعة أرقام المليارات وأسماء النواب والوزراء المتهمين بالفساد، بالطريقة نفسها التي يتابعون بها نتائج مباريات كأس العالم لكرة القدم، متعة عابرة، وضجيجٌ إعلامي، أما الوطن، فيواصل نزيفه بصمت حزين!

أخبار مشابهة

وكالة وطن للأنباء

القرن الأسود والدموي لآل سعود: التبعية للاستعمار والغرب، وخيانة فلسطين، وتخريب العالم العربي والإسلامي

 نبيل الجملتتوالى القراءات النقدية والتاريخية والخطابات التاريخية المعارضة لتسليط الضوء...

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان

'