التقارب الأمريكي التركي ومخاوف تل أبيب د. طالب الشوكة

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً جيوسياسياً بارزاً أعاد رسم معادلات القوة التقليدية. فبينما كانت تل أبيب تحتكر لسنوات طويلة امتياز التفوق العسكري المطلق برعاية أمريكية، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة من قمة الناتو في أنقرة لتقلب الطاولة؛ حيث أعلن عن توجه إدارته لرفع العقوبات عن تركيا، والموافقة على صفقات محركات الطائرات، وبحث إعادة دمج أنقرة في برنامج مقاتلات الجيل الخامس اف 35.هذا التحول المفاجئ دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التحذير علناً عبر شبكة CNNمن أن تركيا ليست دولة صديقة للولايات المتحدة، عادّاً تسليحها إخلالاً بالتوازن الأمني في المنطقة. وتثير هذه التطورات تساؤلاً جوهرياً. هل يمهد التسليح الأمريكي لتركيا لصدام عسكري مباشر مع إسرائيل، أم أن المشهد محكوم بحسابات براغماتية أعمق. لا تنبع المخاوف الإسرائيلية من خشية غزو عسكري وشيك، بل من حقيقة أن تركيا باتت القوة الإقليمية الأكبر القادرة على تقويض الهيمنة الإسرائيلية في ملفات حيوية؛ فقد نجحت أنقرة في بناء صناعة عسكرية محلية متطورة بدءاً من الطائرات المسيرة وصولاً إلى مشروع المقاتلة الشبحية المحلية كاآن. وحصولها على المحركات والمقاتلات الأمريكية المتقدمة يقلص الفجوة التكنولوجية الجوية التي طالما اعتمدت عليها إسرائيل لفرض هيمنتها .ومع ذلك، تدرك تل أبيب أن الاندفاعة الأمريكية تجاه أنقرة تظل محكومة بقانون أمريكي ملزم، وهو قانون “الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل”، والذي يمنع واشنطن تشريعياً من بيع أسلحة لأي دولة إقليمية قد تكسر كفة الردع لصالحها على حساب إسرائيل، مما يعني أن الدعم الأمريكي لتركيا له سقف محدد لا يمكن لترامب تجاوزه بسهولة.من جهة أخرى، تنظر الدوائر الأمنية الإسرائيلية بقلق إلى التمدد التركي في الشمال السوري، وتخشى أن تفرض أنقرة معادلة ردع جديدة على ما يُسمّى بحدود إسرائيل الشمالية، إلى جانب النزاع المستمر على موارد الطاقة والحدود البحرية في شرق البحر المتوسط. وقد عزز الموقف التركي الصارم ضد السياسات الإسرائيلية في غزة، ووصف أنقرة لحكومة نتنياهو بأنها “عبء على الإنسانية”، القناعة في تل أبيب بأن تركيا تحولت من شريك قديم إلى منافس استراتيجي شرس. واللافت في هذا المشهد هو موقف ترامب الذي تجاوز التحذيرات الإسرائيلية؛ فببراغماتيته المعهودة ينظر ترامب إلى تركيا كعضو قوي في حلف الناتو يمتلك ملايين الجنود وترسانة ضخمة. ومن منظور اقتصادي وعسكري، يرى ترامب أن بيع السلاح لتركيا ينعش الاقتصاد الأمريكي ويدفع حليفاً قوياً لتحمل أعباء الأمن الإقليمي بدلاً من واشنطن. وكشف ترامب في تصريحاته الأخيرة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان بإمكانه اتخاذ خطوات تصعيدية أخطر لولا تدخله بطلب مباشر منه، مشيداً بالتزام أردوغان بتهدئة الأوضاع في ملفات معقدة مثل وساطة الرهائن أو التهدئة الإقليمية، وهو ما يعكس وعي واشنطن بأن أنقرة لاعب لا يمكن تجاوزه لضبط الاستقرار.ورغم التفاؤل التركي بوعود ترامب، فإن ملفات مثل الـ اف35 لا تزال تصطدم بعقبات تشريعية وفنية معقدة في الكونغرس الأمريكي؛ حيث تشترط واشنطن بموجب قانون كاتسا الذي أقره الكونغرس عام 2017 لمواجهة أعداء أمريكا (روسيا وإيران وكوريا الشمالية) عبر العقوبات— أن تتخلص أنقرة تماماً من منظومة الدفاع الروسية اس400 قبل إعادة دمجها في البرنامج الشبحي، وهو الملف المعلق الذي يكبح طموح الاختراق التكنولوجي التركي الكامل.ورغم النبرة التصعيدية والمخاوف الإسرائيلية، فإن احتمالية انفجار حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة؛ لوجود كوابح استراتيجية قوية. فتركيا عضو أساسي في حلف الناتو، وإسرائيل هي الحليف الاستراتيجي الأقرب لأمريكا خارج الحلف، وأي صدام مباشر بينهما يعني تفجير المنظومة الأمنية الغربية بالكامل، وهو خط أحمر بالنسبة لواشنطن. كما أن انضمام تركيا وإسرائيل معاً إلى مجلس السلام لغزة الذي ترعاه واشنطن لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، يثبت أن الطرفين ورغم الخصومة الشديدة مضطران للجلوس حول طاولات دبلوماسية مشتركة لإدارة الأزمات برعاية أمريكية مباشرة.إن المشهد الحالي لا يؤشر إلى حرب، بل يدشن مرحلة منافسة إقليمية خشنة وإعادة توازن قوى في الشرق الأوسط. تسليح ترامب لأنقرة ليس عداءً لتل أبيب، بل هو اعتراف أمريكي واقعي بأن إدارة المنطقة في المرحلة المقبلة تتطلب التخلي عن سياسة المحاور المطلقة، والقبول بتركيا كقوة إقليمية كبرى وصاعدة تفرض حساباتها على الجميع
