وكالة اخبار وطن
وكالة عراقية مستقلة

بناء القوة الصلبة وعسكرة ممرات الطاقة العالمية…  د.طالب الشوكة 

  • 96 مشاهدة
  • يوليو 10, 2026

 

تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً مشهداً جيوسياسياً شديد الضبابية، وفي خضم هذه التحولات، تبرز حزمة الالتزامات العسكرية الأخيرة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التحول، وماذا تعني هذه الاستراتيجية. وضد مَن توجّه قدراتها الدفاعية, إن التحركات الأخيرة للحلف لا تمثل مجرد إجراءات مؤقتة، بل تعكس تحولاً جذرياً في عقيدته العسكرية، تركز على إعادة تعريف جبهات المواجهة وتحديد القدرات الذاتية للأعضاء. ويمكن وصف هذه التحولات بأنها خطة عسكرية ومالية شاملة تهدف إلى ضخ استثمارات دفاعية كبرى لأوروبا وكندا تتجاوز الـ 50 مليار دولار، لتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات العسكرية. تهدف هذه الخطوة بشكل أساسي إلى إعادة توازن القوى داخل الحلف وتخفيف العبء المالي والعسكري عن كاهل الولايات المتحدة الأمريكية، بالتوازي مع التزام مالي ضخم لدعم أوكرانيا يقدر بـ 140 مليار دولار للعام الحالي والأعوام المقبلة. من الواضح أن هذه الحزمة العسكرية موجهة جغرافياً وسياسياً لردع خصمين رئيسيين. روسيا وإيران. فمن جهة، تعد روسيا المبرر المباشر لإعادة تسليح القارة العجوز، حيث تُمثل أوكرانيا البوابة الشرقية لحماية أمن أوروبا وتأمين دول البلقان في مواجهة حرب استنزاف طويلة الأمد. ومن جهة أخرى، تبرز إيران كجبهة مواجهة ثانية ترتبط مباشرة بأمن الشرق الأوسط والممرات المائية الحيوية. ويضع الحلف ضمن أهدافه المباشرة منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ضد الهجمات التي تستهدف إمدادات الطاقة، حيث يتدفق عبر هذا الممر المائي ما يربو على 20% من واردات الطاقة العالمية. وتنعكس هذه الجدية في استعدادات قوى أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا لنشر كاسحات ألغام بحرية في مياه الخليج. في هذا السياق، يدرك العالم الغربي أن أمنه القومي مرتبط عضوياً باستقرار الشرق الأوسط، وهنا تبرز أنقرة كحلقة وصل وممر استراتيجي يتوسط القارتين. وانطلاقاً من الصراع المتصاعد حول الممرات المائية الحيوية، يجد الناتو نفسه مدفوعاً نحو استعداد عسكري مباشر لحماية خطوط الإمداد العالمية عبر تعزيز حضور حليفه التركي على خطوط التماس. ورغم التعقيدات التاريخية وملفات الخلاف الشائكة كمنظومة اس -400 وحسابات التوازن العسكري الإقليمي، فإن متطلبات المرحلة تدفع الحلف نحو رفع العقوبات الدفاعية عن أنقرة والسعي لتسوية ملف دمجها في برنامج طائرات (اف 35) المتطورة، لضمان تشكيل حائط صد متين أمام أي تصعيد إقليمي محتمل. يعيد حلف الناتو اليوم بناء قوته الصلبة متبنياً استراتيجية مزدوجة. الاستعداد لحرب استنزاف طويلة الأمد في الجبهة الشرقية ضد روسيا، وفرض السيطرة والردع في مياه الخليج لضمان التدفق الآمن لإمدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية الغربية المزدوجة تحديات داخلية وخارجية معقدة, فعلى الصعيد الداخلي، يواجه الحلف تباينات في وجهات النظر بين أعضائه حول حجم الإنفاق الدفاعي، وحدود التدخل العسكري خارج نطاق الأطلسي، وكيفية صياغة تنازلات حقيقية لتركيا دون إغضاب حلفاء إقليميين آخرين. وعلى الصعيد الخارجي، لا يقف الطرف المقابل مكتوف الأيدي, إذ يدفع هذا الضغط الغربي نحو ترسيخ محور مضاد يجمع روسيا وإيران والصين. وتتحرك هذه القوى بشكل تنسيقي عبر تعزيز الشراكات العسكرية والتكنولوجية، ومحاولة خلق مسارات اقتصادية وبحرية بديلة تلتف على العقوبات الغربية وتنافس النفوذ الأطلسي في مياه الخليج وشرق أوروبا، مما يجعل المواجهة الحالية صراعاً مفتوحاً بين استراتيجية الاحتواء الغربية ومحاولات المعسكر المقابل لكسر هذا الطوق.

أخبار مشابهة

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان

'