وكالة اخبار وطن
وكالة عراقية مستقلة

إيران في الخطاب الأمريكي ـ الإسرائيلي: صناعة التهديد وتوسيع شرعية الحرب

  • 72 مشاهدة
  • مارس 07, 2026

 

 

رصد تحليلي للتصريحات الرسمية وكيفية إعادة تأطير إيران بوصفها خطرًا يتجاوز حدود الصراع المباشر

 

بقلم: ميثم تركي

في الحروب، لا تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، بل تمتد إلى ميدان آخر لا يقل أهمية: ميدان اللغة والتأطير وتحديد المعنى، فالتصريحات السياسية لا تنقل الموقف فقط، بل تعيد تعريف الحدث: من هو الطرف الخطر، ومن الذي يدافع عن الاستقرار، ومن الذي يُفترض أن يتحمل كلفة المواجهة أو ينخرط فيها، وفي هذا الإطار، يبين رصد التصريحات الأمريكية والإسرائيلية خلال المدة بين ١ و٥ آذار ٢٠٢٦ أن الخطاب لم يقتصر على وصف إيران كخصم عسكري أو سياسي، بل اتجه إلى بنائها بوصفها تهديدًا أوسع يطال «المنطقة» و«العالم» و«الحلفاء» و«الممرات الحيوية»، بما يفتح المجال لتوسيع شرعية الحرب نفسيًا وسياسيًا.

أحد المفاتيح الأساسية في هذا الخطاب هو تكبير دائرة الخطر، ففي تصريح رسمي قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو إن النظام الإيراني، إذا امتلك سلاحًا نوويًا ووسائل إيصاله، «سيهدد كل البشرية»، مضيفًا: «انطلقنا لحماية أنفسنا، لكننا بذلك نحمي كثيرين آخرين». هذه الصياغة لا تقدم الحرب كعملية مرتبطة فقط بأمن الكيان الصهيوني ، بل تعيد تقديمها بوصفها فعل حماية يتجاوز حدود الكيان إلى حماية آخرين أيضًا، ومن الناحية الاتصالية، فإن هذا النوع من الخطاب يرفع الصراع من مستوى نزاع بين أطراف محددة إلى مستوى تهديد عام، بما يجعل الحياد أو التريث أمامه قابلًا لإعادة التأطير بوصفه ترددًا أمام خطر شامل.

وفي الاتجاه نفسه، تبنّى الخطاب الأمريكي لغة توسّع الإطار السياسي للحرب، لا العسكري فقط، فالبيت الأبيض قال في ١ آذار ٢٠٢٦ إن العملية ضد إيران نُفذت «بالشراكة مع حلفاء إقليميين»، وقدمها على أنها تستهدف «سحق النظام الإيراني» وإنهاء التهديد النووي، هذه العبارة تبدو، في ظاهرها، توصيفًا للتحالف، لكنها تؤدي أيضًا وظيفة اتصالية أوسع: فهي تمنح الحرب غطاءً جماعيًا، وتوحي بأنها ليست قرارًا أمريكيًا ـ إسرائيليًا منفردًا، بل استجابة تشاركية لتهديد مشترك، هنا تبدأ الحرب في الظهور، في الخطاب على الأقل، كملف إقليمي طبيعي لا كمبادرة محصورة بطرفين.

ويزداد هذا المسار وضوحًا مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال في مقابلة مع رويترز في ٥ آذار ٢٠٢٦: «نريد أن نكون منخرطين في عملية اختيار الشخص الذي سيقود إيران في المستقبل»، هذا التصريح يتجاوز لغة الردع التقليدي أو تدمير القدرات العسكرية، ويفتح بابًا على مستوى آخر من الخطاب: التدخل في تعريف المستقبل السياسي لإيران نفسها، وبهذا المعنى، لا تُصاغ إيران هنا كخطر يجب احتواؤه فقط، بل كنظام يُطرح مستقبل قيادته علنًا ضمن أهداف الحرب أو ما بعدها، وهذا يرفع مستوى الشيطنة من الاعتراض على سلوك محدد إلى الطعن في البنية السياسية الحاكمة ذاتها.

ومن الناحية الاتصالية، فإن الجمع بين هذه التصريحات ينتج بنية متماسكة نسبيًا: إيران ليست مجرد خصم لإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل تهديد للآخرين أيضًا؛ والحرب ليست عملية دفاعية محدودة، بل جهد تشاركي؛ والنتيجة المطلوبة لا تقتصر على تحييد قدرات معينة، بل تمتد إلى الحديث عن شكل القيادة المقبلة في طهران، وعندما تتراكم هذه العناصر في خطاب واحد، فإنها تؤسس لما يمكن وصفه بإطار «إيران الخطر الشامل»، وهو إطار يسمح بتوسيع شرعية الحرب وتوسيع من يُفترض أن يشعر بأنه معني بها.

ولا تقف فاعلية هذا الخطاب عند حدود توصيف إيران، بل تمتد إلى نقل مركز النقاش من أصل الحرب إلى آثار «الخطر الإيراني». ففي تقرير لرويترز نُشر في ٣ آذار ٢٠٢٦، جرى التركيز على أن الضربات الإيرانية على دول خليجية قد تدفع هذه الدول إلى ائتلاف أوسع مع الولايات المتحدة، وأن المنطقة باتت أمام «خيارات صارخة» في ظل اتساع المخاطر على الطاقة والموانئ والمدن والمنشآت الحيوية، هنا يصبح السؤال المتداول أقل ارتباطًا بمن بدأ الحرب أو كيف اندلعت، وأكثر ارتباطًا بما قد يحدث للأسواق والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي إذا استمر التصعيد، وبهذا، تُعاد صياغة الأجندة من مساءلة أصل الحرب إلى إدارة كلفة عدم الانخراط في مواجهتها.

في هذا السياق، تؤدي صورة «إيران الخطر» وظيفة مركبة، فهي لا تعمل فقط على ترسيخ العداء تجاه طهران، بل تربط اسم إيران تلقائيًا بعناصر القلق الأكثر حساسية في الإقليم: الطاقة، المضائق، الشحن، الأسواق، والاستقرار الأمني، وكلما اتسع هذا الربط، ضاقت مساحة الحذر المشروع لدى الأطراف الأخرى، لأن التريث يُعاد تصويره، ضمنيًا أو صراحة، كرهان محفوف الكلفة، ومن هنا، فإن الخطاب لا يشيطن الخصم فقط، بل يضغط أيضًا على المحيط الرمادي حوله، عبر جعله يشعر بأن عدم الاصطفاف يحمل ثمنًا متصاعدًا.

والمفارقة أن هذا الخطاب، وهو يضخم الخطر الإيراني، يعترف ضمنا بفاعلية الردع الإيراني، ففي تغطية رويترز المنشورة في ٦ آذار ٢٠٢٦ عن تداعيات الأزمة على الأسواق، جرى الحديث عن صعود الدولار بفعل طلبات الملاذ الآمن بسبب أزمة إيران، بما يعكس استمرار أثر الحرب على المناخ المالي العالمي، كما أشارت تقارير أمريكية رسمية إلى أن العملية استهدفت أيضًا ضمان ألا تهدد السفن الإيرانية «الممرات الحيوية» أو «الحلفاء». معنى ذلك أن الحرب لا تُدار ضد طرف هامشي الأثر، بل ضد طرف يُنظر إليه باعتباره قادرًا على جعل الإقليم والأسواق يدفعان كلفة التصعيد، غير أن هذا الاعتراف لا يُستخدم لتبرير خفض التوتر، بل يُعاد تدويره اتصاليًا بوصفه دليلًا إضافيًا على ضرورة بناء اصطفاف أوسع ضد إيران.

كذلك، فإن شيطنة إيران لا تكتمل من دون تضييق شرعية الحذر الإقليمي، فعندما تُعرض دول الخليج بوصفها أمام «خيارات صارخة»، وحين يُربط التريث بكلفة اقتصادية وأمنية متصاعدة، فإن مساحة القرار السيادي الحذر تصبح أضيق في الوعي العام، وهكذا لا يُعاد تأطير إيران فقط، بل يُعاد تأطير من لا يريد الانخراط المباشر في الحرب أيضًا، فبدل أن يظهر الحذر كإدارة مخاطر، يمكن أن يُقدَّم كاستجابة ناقصة أو مترددة أمام تهديد يقال إنه لا يخص دولة واحدة بل يطال الجميع.

وتزداد هذه البنية وضوحًا مع التباين الأمريكي بين السقف السياسي المرتفع والسقف العسكري المعلن، ففي الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن دور في اختيار قيادة إيران المقبلة، نقلت رويترز أيضًا أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قال إن الولايات المتحدة لا توسّع أهدافها العسكرية في إيران، ظاهريًا، يبدو المشهد متناقضًا، لكن اتصاليًا يمكن فهمه كأداة مرنة: ضغط سياسي ونفسي مرتفع على الخصم، مع إبقاء مساحة من المناورة والضبط في الخطاب العملياتي، هذه الازدواجية تمنح واشنطن قدرة على إرسال رسائل متعددة في وقت واحد إلى الخصم والحلفاء والرأي العام، والفقرتان الأخيرتان تحليل اتصالي مستند إلى التباين بين الموقفين كما أوردته رويترز.

وخلاصة هذا المشهد أن الخطاب الأمريكي ـ الإسرائيلي لا يكتفي بانتقاد إيران أو مهاجمتها سياسيًا، بل يبني صورة وظيفية لها: صورة الخصم الذي يهدد الجميع، ويبرر الشراكة ضده، ويحوّل الحياد أمامه إلى موقف مكلف أو محرج، ويجعل الحرب تبدو أقل ارتباطًا بقرار من بدأها وأكثر ارتباطًا بضرورة جماعية لاحتوائها، وبذلك، فإن «شيطنة إيران» هنا لا تبدو مجرد دعاية عابرة، بل جزءًا من هندسة إدراك تهدف إلى إعادة توزيع المعنى والكلفة والشرعية في زمن الحرب.

مستند المقال: تصريحات رسمية منشورة على موقع البيت الأبيض ومواقع حكومية إسرائيلية، وتقارير رويترز المنشورة بين ١ و٦ آذار ٢٠٢٦

أخبار مشابهة

القضاء يلغي الأمر الولائي الخاص بشركة كورك ويُبقي قرار هيأة الإعلام والاتصالات بإيقاف العمل مع الشركة قائماً

تعلن هيأة الإعلام والاتصالات صدور قرار قضائي عن محكمة بداءة الرصافة، بتاريخ 24 آب 2026، يقضي...

وكالة وطن للأنباء

عملية جراحية معقدة تنقذ حياة ثمانيني في مستشفى الزهراوي الجراحي

 ميسان / كواكب علي السراي نجح فريق طبي جراحي في مستشفى الزهراوي الجراحي بمحافظة ميسان،...

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان

'